الصفحة 17 من 40

والقضاة وإن كان الخليفة هو الذي يتولى تعيينهم إلا أنه لم يكن من حقه إذا عين القاضي وولاه منصبه أن يحاول التدخل في قضائه. بل إذا كان لرجل من الرجال دعوى على الخليفة من حيث منزلته الشخصية أو باعتباره رئيسًا للهيئة التنفيذية، لم يكن يجد -أي الخليفة- بدًا من الحضور أمام القاضي كعامة المواطنين. ونحن لا نجد رجلًا واحدًا جمع بين وظيفتي القضاء والإدارة في قطر واحد في ذلك الزمان، وكذلك لم نعثر على شيء يبيح لعامل من العمال وأمير من الأمراء أو لرئيس الدولة نفسه أن يتدخل في أحكام القاضي في المحكمة أو يدل على أنه يجوز استثناء رجل ولو من أعظم الرجالات نفوذًا وسلطة من الحضور في المحكمة ليسأل في القضايا المدنية والجنائية.

ويجوز لنا أن نأتي ببعض تعديلات في تفاصيل هذه الصورة التي قد وصلتنا عما كان عليه العمل في ذلك العهد الزاهر، حسب الظروف والمقتضيات الحاضرة. فالتعديلات الفرعية التي يجوز أن نأتي بها إنما هي من قبيل أن نحدد لرئيس الدولة صلاحياته الإدارية والقضائية بالنسبة لصلاحيات الخلفاء الراشدين في تقواهم وعفافهم وأمانتهم. يجوز لنا أن نحدد صلاحيات الرئيس في الإدارة حتى لا يصبح مسيطرًا على الناس وأن نمنعه عن سماع الدعاوي والفصل فيها بطريق مباشر حنتى لا يحيد عن العدل والدليل على ما أقول أن شعبتي الإدارة والقضاء كانتا منفصلتين في عهد الخلافة الراشدة. وإذا كان رئيس الدولة قد جمع في ذاته بين سلطات هاتين الشعبتين فما ذلك بموجب حكم من الأحكام الشرعية، بل لأن الناس كانوا على ثقة من الخليفة بأنه إذا تمكن من كرسي القضاء في المحكمة، فلن يراعي في أقضيته مصالحه الإدارية، بل كان الناس قد بلغت ثقتهم بالخلفاء الراشدين مبلغًا جعلهم يودون بأنفسهم أن يكون الخلفاء هم المرجع الأخير في قضاياهم ليجدوا عندهم العدل إن لم يجدوه عند غيرهم. ونحن إذا كنا لا نجد اليوم من يمثل أبا بكر الصديق، فلا توجد أيضًا في الشريعة قاعدة من قواعد الدستور الإسلامي تقيدنا بضرورة الجمع في شخص رئيس الدولة بين منصبي رئيس القضاة والحاكم الأعلى لإدارة الحكومة.

فالتغييرات التي يجوز أن نأتي بها في هذه الصورة هي من قبيل أن نضع طرق انتخاب أهل الحل والعقد وقواعد مجلسهم على حسب أحوالنا وحاجاتنا، ونجعل المحاكم على درجات مختلفة بسلطاتها المعينة وحدود سماعها للأقضية وحدود أعمالها.

وهنا تنشأ لنا مسألتان أخريان تدعو الحاجة إلى إيضاحهما. الأولى منهما"هل الإسلام يسمح للقضاء ( Judiciary) بأن يرفض بعض ما يصدر عن المجلس التشريعي من القوانين على أنها مخالفة للكتاب والسنة؟"إنني لم أطلع على نص في هذا الباب، ولا ريب أن الذي يدل عليه ما جرى عليه عمل الخلافة الراشدة أنه لم يكن للقضاء مثل هذه السلطات، على الأقل لم نعثر إلى الآن على مثال واحد من هذا الباب. إلا أن السبب في ذلك على ما أرى أن أهل الحل والعقد كانوا في ذلك الزمان كلهم ممن لهم بصيرة نافذة في الكتاب والسنة وكان على رأسهم الخلفاء الراشدون، فما كانت لتصدر عنهم مسألة تخالف الكتاب والسنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت