الصفحة 16 من 40

أما السلطة القضائية ( Judiciary) فيعين دائرة عملها مبدأ حاكمية الله القانونية بنفسه. ومنذ القدم أسس الإسلام دولته في الأرض على قواعده ومبادئه، وكانت الأنبياء والرسل هم قضاتها الأولين؛ وكان من مهمتهم التي قاموا بها أن يحكموا بين الناس بما أنزل الله إليهم من الشريعة. فالذين يبوّؤون منصب الأمر والحكم في الدولة الإسلامية ويقومون بمهمة الأنبياء في هذا الشأن لا سبيل لهم إلا أن يجعلوا أساس أحكامهم ذلك القانون الذي جاءهم من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. والله تعالى قد فصّل الكلام في هذا الموضوع في سورة المائدة فقال (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ -إلى قوله- وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) إلى قوله (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) . وبعد أن بين تاريخ اليهود والنصارى على هذا النحو، خاطب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ) ثم ختم الموضوع بقوله (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ؟) (المادئة: 44 - 50) . وقد تكرر قوله (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ... الظَّالِمُونَ ... الْفَاسِقُونَ) ثلاث مرات خلال هذا الخطاب الرائع، ولا أرى حاجة إلى أن أبين لكم بعد هذا أن محاكم الدولة تنشأ لتنفيذ القانون الإلهي لا لمعارضته ومحاربته.

العلاقة بين مختلف أركان الدولة:

وقد بقيت الآن مسألة مهمة لا بد من الإلمام بها في هذا المقام وهي العلاقة بين أركان الدولة الثالثة، التشريعية والتنفيذية والقضائية، فهي وإن لم تكن لها أحكام صريحة في ما جاءنا من الشريعة، غير أننا إذا تتبعنا ما كان عليه عمل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده، تجلت لنا المسألة وعلمنا أنه من حيث الرئاسة لا يكون رئيسًا لهذه الشعب الثلاث إلا رئيس الدولة نفسه، وعلى ذلك كانت الحال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم في عهد الخلفاء الراشدين من بعده. إلا أنه إذا صرفنا النظر عن شخص رئيس الدولة، وجدنا هذه الشعب الثلاث مختلفة بعضها عن بعض. فكان أهل الحل والعقد في ذلك الزمان رجالًا تدبر بمشورتهم شؤون البلاد الإدارية ويقضى في المسائل التشريعية، وكان القائمون بالحكم والإدارة أمراء آخرين لم يكونوا منهم وما كان لهم من تدخل في التشريع. وكان القضاء من رجال آخرين لم يكونوا منهم وما كان لهم من تدخل في التشريع. وكان القضاء من رجال آخرين غير هؤلاء وأولئك لم يكن عليهم شيء من المسؤولية عن شؤون البلاد الإدارية. فإذا عرض للخليفة أمر مهم في وضع السياسة للدولة أو حل المسائل الإدارية والتشريعية أرسل إلى أهل الحل والعقد من رجال الدولة وشاورهم في الأمر؛ فإذا عزم على شيء بعد المشاورة، انتهت وظيفة أهل الحل والعقد.

وكان القائمون بالشؤون الإدارية تحت الخليفة نفسه وكان هو الذي يوليهم مناصبهم، ووفقًا لأحكامه كانوا يديرون شؤون البلاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت