الصفحة 11 من 40

والسؤال الثالث أنه إذا ضربنا الصفح عن كون كل شيء على الحق أو الباطل وعهدنا بمنصب الحاكمية إلى سلطة إنسانية، فهل نضمن بذلك فلاحًا للإنسانية؟ ولعمر الحق إنه لا يمكن أن يكون للإنسان من الكفاءة ومؤهلات الحكم ما يجعل له صلاحيات غير محدودة للحكم على الأفراد، ولا يكون لأحد من حق بإزائه ويسلم له الجميع بالنزاهة في أقواله وأعماله- لا، والله لا يستطيع الإنسان أن يتحمل هذه التبعة الثقيلة على كاهله. وأيما سلطة إنسانية أوتيت مثل هذه الصلاحيات يكن الظلم وينتشر الفساد، ولا مندوحة من ذلك ينتشر الظلم والفساد في داخل المجتمع، وتشمل ويلات ظلمها وطغيانها المجتمعات المجاورة له. فالفساد في طبيعة هذا النظام. ومن ثم فإنه ما من مرة لجأت الإنسانية فيها إليه، إلا ونالت على يده الفساد والجور والطغيان. ذلك لأنه إذا بويء منصب الحاكمية من ليست له الحاكمية في واقع الأمر وليس له من حق فيها، فلا قبل له أبدًا بأن يستعمل صلاحيات هذا المنصب وحقوقه الواسعة على الوجه الصحيح. وذلك ما قد أكده الله في القرآن وبينه بقوله (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [المائدة: 45] .

حاكمية الله القانونية:

ولأجل كل هذا قد بت الإسلام في مسألة الحاكمية القانونية وقضى أنها لله تعالى وحده، الذي لا يقوم هذا الكون ولا تسير شؤونه إلا على حاكميته الواقعية، والذي له حق الحاكمية على الناس من غير مشارك ولا منازع. وذلك ما بينه القرآن وأبدأ في ذكره وأعاد في ما لا يكاد يعد من آياته وبقوة من البيان لا يمكن أن يؤتى بمثلها لإثبات أمر ما، فقال (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (يوسف: 40) وقال في موضع آخر (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء) (الأعراف: 3) وقد عبر عن الانحراف عن حاكمية الله القانونية بالكفر الصريح في آية ثالثة حيث قال (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة: 43) . ويتضح وضوحًا تامًا من هذه الآية أن الإسلام والإيمان إنما هما عبارة عن التسليم بحاكمية الله القانونية والاذعان لها، وما الجحود بها إلا كفر صريح.

منزلة الرسول:

وممثلوا هذه الحاكمية القانونية لله تعالى هم الأنبياء والرسل في هذه الدنيا، أي أن الأنبياء والرسل هم الوسيلة التي بها نعلم ما وضع لنا شارعنا ( Legal Soveriengn) من قانون أو شريعة. ولأجل ذلك قد كلف الإسلام أبناءه أن يطيعوا الرسل طاعة تامة. والله تعالى ما أرسل إلى أمة من أمم الأرض رسولًا إلا وأعلن فيهم (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) . وقد جعل القرآن هذا مبدأ قاطعًا من مبادئه (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ) (النساء: 64) ، وقال (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ) (النساء: 80) ، حتى إن القرآن ليأبى أن يسلم بإسلام رجل لا يسلم بكون الرسول هو المرجع الأخير في ما يختلف فيه الناس من أمورهم، فقال (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: 65) . وقال (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) (الأحزاب: 36) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت