فلا يبقى بعد هذا عند الرجل منزع للشك أن الإسلام ليست الحاكمية القانونية التامة فيه إلا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم:
ما الحاكمية السياسية إلا لله تعالى وحده:
هذا وقد تبين لكم رأي الإسلام وحكمه الواضح الصريح في المسألة الدستورية المهمة. وربما يسألني سائل"فلمن الحاكمية السياسية ( Political Soverienty) إذن؟"فالجواب الوحيد الصريح لهذا السؤال"إنها لله تعالى"ولا يمكن أن يكون لهذا السؤال جواب آخر، لأن أي وكالة ( Agency) تقوم لتنفيذ حاكمية الله تعالى بالقوة السياسية، لا يمكن أن يقال لها بلغة السياسة والقانون ذات حاكمية ( Soveriengn) بوجه من الوجوه، ومن الظاهر أن القوة التي لا تحوز الحاكمية القانونية والتي يضيّق صلاحياتها قانون أعلى لا قبل لها بالتغيير فيه، لا يمكن أن تكون حاملة للحاكمية. أما ما هي الكلمة التي يُعبّر بها عن منزلتها الصحيحة الحقيقية؟ فهذا سؤال قد أجاب عليه القرآن، فتراه يعبر عن منزلتها بكلمة"الخلافة"أي ليست هذه القوة أو السلطة نفسها بالحاكم الأعلى وإنما هي نائبة عن الحاكم الأعلى -وهو الله عز وجل.
الخلافة الجمهورية:
ولا يذهبن بكم سوء الفهم من كلمة النيابة إلى أنها عبارة عن ظل الله أو البابوية أو حقوق الملوك الإلهية ( Divine rights of Kings) فقد قضى القرآن أنه ليست هذه المنزلة -منزلة الخلافة والنيابة- من حق فرد من الأفراد أو أسرة من الأسر أو طبقة من الطبقات، وإنما هي حق لجميع من يسلمون بحاكمية الله ويؤمنون بعلو القانون الإلهي الذي جاءهم من عند الله تعالى بواسطة أنبيائه ورسله (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ) (النور: 55) .
وهذا ما يجعل الخلافة الإسلامية"ديمقراطية"على العكس من القيصرية أو البابوية أو الثيقراطية (الدول الدينية Theocracy) على حسب ما يعرفها الغرب ورجاله. غير أن النظام الذي يعبّر عنه رجال الغرب"بالديمقراطية"اليوم، لا يتبوأ منصب الحاكمية فيه إلا الجمهور أو الشعب، وأما نظامنا الديمقراطي الذي نعبر عنه"بالخلافة"فلا يكون الجمهور فيه إلا حاملي الخلافة لا الحاكمية نفسها. فكما أنه تتألف الحكومة في جمهوريتهم لتدبير شؤون البلاد وتتغير بالرأي العام، كذلك تتقاضى ديمقراطيتنا أن لا تتألف الحكومة ولا تتغير إلا بالرأي العام، ولكن الفرق بيننا وبينهم أنهم يحسبون ديمقراطيتهم حرة مطلقة العنان ونحن نعتقد الخلافة الديمقراطية متقيدة بقانون الله عز وجل [1] .
(1) راجع نظرية الإسلام السياسية للمؤلف.