الصفحة 10 من 40

فأول ما يسأل عنه بهذا الصدد: أفتوجد اليوم حاكمية مثل هذه الحاكمية في الدائرة الإنسانية في واقع الأمر؟ فإن كانت فأين هي؟ ومن الذي يقال إنه حاملها؟ أفترون في نظام من النظم الملكية ملكًا يحمل هذه الحاكمية أو وجد من قبل أو يمكن أن يوجد يومًا من الأيام؟ ولعمر الحق إنكم مهما بذلتم الجهود في البحث واستعرضتم لهذا الغرض أكبر ملك في الأرض وأوسعه سلطانًا، فإنه يتبين لكم، إذا حللتم سلطانه تحليلًا، أنه يحد صلاحياته التي يتمتع بها أكثر من عامل خارجي واحد لا يخضع لإرادته. ومن أجل ذلك تشاهدون علماء علم السياسة كلما وضعوا نصب أعينهم هذا التصور الواضح للحاكمية ثم حاولوا ليجدوا في الدائرة الإنسانية كلها مصداقًا حقيقيًا لهذا التصور أعياهم البحث وحاروا في أمرها، ولم يجدوها إلا اسمًا لا وجود لمسماه أو رؤية لا يمكن تحقيقها. وذلك ما قد بينه القرآن في غير آية من آياته، وأوضح للناس أن الله تعالى وحده هو الحامل لهذه الحاكمية وأنه هو الغالب المطلق الأعلى (فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) وأنه هو وحده غير مسؤول عن أعماله (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) وأنه هو المقتدر القوي العزيز (بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) وأنه وحده الذي لا تحد سلطته قوة من القوى (وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ) وأنه هو وحده المنزه عن الخطأ (الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ) .

من ذا الذي يستحق الحاكمية؟

والسؤال الثاني أننا إذا صرفنا النظر عن الحقيقة الواقعة في نفس الأمر وبوأنا أحدًا غير الله تعالى منصب هذه الحاكمية؛ فهل يستحق في حقيقة الأمر أن يكون حكمه القانون، ولا يكون لأحد ممن سواه حق من الحقوق، ويطيعه الجميع طاعة مطلقة ولا يجوز سؤاله عن الخير والشر ولا الصحة أو الخطأ فيما يأتي من الأعمال؟ وكل من يُخوّل هذا الحق سواء أكان فردًا من الأفراد أو هيئة مؤلفة من عدة أفراد أو أغلبية سكان الدولة. لا بد أن يسأل في أمره. على أي أساس قد نال لنفسه هذا الحق؟ وأي حجة على أنه يستحق هذا الحكم على الأفراد؟ وغاية ما يمكن أن يجاب به على هذا السؤال هو أن الأفراد أنفسهم قد رضوا بأن يكون حاكمًا عليهم. ولكن هل يسعكم أن تسلموا أنه إذا باع رجل نفسه يرضى من نفسه لرجل آخر فقد نال عليه المشتري حقوق الملكية المشروعة؟ وإذا كان هذا الرضاء لا يبيح هذه الملكية، فكيف يكون مجرد رضاء الجمهور الناشئ عن سوء فهم منهم مبيحًا لوجود حاكمية من الحاكميات تسيطر عليهم؟ والقرآن يحل هذه المعضلة ويبين للناس أنه لا يحل لأحد غير الله أن ينفذ حكمه في عباد الله، إنه ليس هذا الحق إلا لله وحده، وذلك أنه هو -وحده- خالقهم (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) وهذا شيء لا يمكن أن يرفضه كل من يؤمن بالله ويعترف له بالخلق.

من ذا الذي ينبغي أن تكون له الحاكمية؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت