لنأخذ بالبحث قبل كل شيء مسألة: من ذا الذي يبوئه دستور الدولة الإسلامية منصب الحاكمية؟ فهذه مسألة يجيب عليها القرآن بجواب قاطع واضح كل الوضوح، وهو أن الحاكمية بكل معنى من معانيها لله تعالى وحده، فإنه هو الحاكم الحقيقي في واقع الأمر، ولا يستحق أن يكون الحاكم الأصلي إلا هو وحده. ومن أراد أن يفهم هذه الكلمة حق الفهم؛ فعليه أن يدرك أولًا كلمة (الحاكمية) ومدلولها إدراكًا تامًا.
معنى كلمة (الحاكمية) :
تطلق هذه الكلمة على السلطة العليا والسلطة المطلقة، على حسب ما يصطلح عليه اليوم في علم السياسة فلا معنى لكون فرد من الأفراد -أو مجموعة من الأفراد أو هيئة مؤلفة منهم- حاكمًا إلا أن حكمه هو القانون، وله الصلاحيات التامة والسلطات الكلية غير المحدودة لينفذ حكمه في أفراد الدولة؛ وهم مضطرون إلى طاعته طوعًا أو كرهًا. وما هناك من شيء خارجي يحد صلاحياته في الحكم غير إرادته ومشيئته هو نفسه. والأفراد ليس لهم بإزائه حق من الحقوق. وكل من له شيء من الحقوق منهم، فإنما هو منحة جاد بها عليه حاكمه، وكل حق يسلبه هذا الحاكم ينعدم بنفسه، لأنه لا ينشأ كل حق فطري إلا لأن الشارع قد أنشأه، فإذا سلبه الشارع لم يعد حقًا من الحقوق حتى يطالب به. إن القانون يسن بإرادة صاحب الحاكمية ويجب على الأفراد طاعته وأما صاحب الحاكمية نفسه، فما هناك من قانون يقيده ويوجب عليه الطاعة لأحد. فهو القادر المطلق في ذاته، ولا يجوز سؤاله فيما أصدر من أحكام عن الخير أو الشر ولا عن الصواب أو الخطأ. فكل ما يفعله هو الخير ولا يحل لأحد ممن يطيعه أن يعده من الشر ويرفضه. وكل ما يفعله هو الصواب ولا يحل لأحد ممن يتبعه أن يرى فيه شيئًا من الخطأ. فلا بد أن يعترف له الجميع بكونه سبوحًا قدوسًا منزهًا عن الخطأ. بصرف النظر عما إذا كان كذلك أم لم يكن.
فهذا هو تصور الحاكمية القانونية، الذي يقدمه العالِم بالقانون ( Jurist) . وما الحاكمية بشيء أقل منه أبدأ. ولكن هذه الحاكمية إنما تبقى فرضًا من الفروض ما دامت لا تستند إلى حاكمية واقعية -أو حاكمية سياسية ( Political Soverienty) على حسب ما يصطلح عليه في علم السياسة- أي مالكة للسلطة التي تعنى بتبوء هذه الحاكمية القانونية منصبها في واقع الأمر.
لمن الحاكمية في واقع الأمر؟