الصفحة 9 من 27

دخل أبو يوسف القاضي على الرشيد ومعه الكسائي، وهما في مُذاكرة وممازحة فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا الكوفي قد غلب عليك! فقال: يا أبا يوسف، إنه ليأتيني بأشياء يشتمل عليها قلبي وتأخذ بمجامعه. فقال الكسائي: يا أبا يوسف هل لك في مسألة؟! فقال: في نحوٍ أو فقه؟ قال: بل في فقه. فضحك الرشيد وقال: تُلقي على أبي يوسف الفقه! قال: نعم. قال: يا أبا يوسف، ما تقول في رجل قال لزوجه: أنتِ طالقٌ ان دخلتِ الدار؟ قال: إذا دخلت طلقت. قال: أخطأتَ يا أبا يوسف! فضحك الرشيد ثم قال: كيف الصواب؟ فقال: إذا قال"أنْ"وجب الفعل ووقع الطلاق، دخلت الدار بعد أو لم تدخل، وإن قال"إنْ"بالكسر لم يجب ولم يقع الطلاق حتى تدخل الدار. [حدائق ابن عاصم ص374]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرًا قويًا بينًا، ويؤثر أيضًا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق.

وأيضًا فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ثم منها: ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية، وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عيسى بن يونس عن ثور عن عمر بن يزيد قال: كتب عمر إلى أبي موسى رضي الله عنه: (أما بعد، فتفقهوا في السنة، وتفقهوا في العربية وأعربوا القرآن فإنه عربي) . وفي حديث آخر عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (تعلموا العربية فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم) ، وهذا الذي أمر به عمر رضي الله عنه من فقه العربية وفقه الشريعة، يجمع ما يحتاج إليه، لأن الدين فيه أقوال وأعمال، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه السنة هو فقه أعماله. اهـ [الاقتضاء ص178 - 179]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت