الصفحة 18 من 27

وقال أيضًا: وهؤلاء قوم تركوا المقامرة بالأيدي، وعجزوا عنها: ففتحوا القمار بالألسنة، والقمار بالألسنة أفسد للعقل والدين من القمار بالأيدي. والواجب على المسلمين المبالغة في عقوبة هؤلاء، وهجرهم .. وما زال السلف يكرهون تغيير شعائر العرب حتى في المعاملات، وهو"التكلم بغير العربية"إلا لحاجة، كما نص على ذلك مالك والشافعي وأحمد، بل قال مالك: من تكلم في مسجدنا بغير العربية أُخرِجَ منه، مع أن سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها، ولكن سوغوها للحاجة، وكرهوها لغير الحاجة، ولحفظ شعائر الإسلام؛ فإن الله أنزل كتابه باللسان العربي، وبعث به نبيه العربي، وجعل الأمة العربية خير الأمم، فصار حفظ شعارهم من تمام حفظ الإسلام. فكيف بمن تقدم على الكلام العربي -مفرده ومنظومه- فيغيره ويبدله، ويخرجه عن قانونه ويكلف الانتقال عنه؟!! إنما هذا نظير ما يفعله بعض أهل الضلال من الشيوخ الجهال حيث يصمدون إلى الرجل العاقل فيولهونه ويخنثونه، فإنهم ضادوا الرسول إذ بعث بإصلاح العقول والأديان، وتكميل نوع الإنسان، وحرم ما يغير العقل من جميع الألوان. فإذا جاء هؤلاء إلى صحيح العقل فأفسدوا عقله وفهمه، فقد ضادوا الله وراغموا حكمه، والذين يبدلون اللسان العربي ويفسدونه، لهم من هذا الذم والعقاب بقدر ما يفتحونه، فإن صلاح العقل واللسان، مما يؤمر به الإنسان، ويعين ذلك على تمام الإيمان، وضد ذلك يوجب الشقاق والضلال والخسران. والله أعلم. أهـ [مجموع الفتاوى 32/ 252 - 255]

وقال أيضًا: وهذا عمر نهى عن تعلم لسانهم .. [الاقتضاء ص172] إلى أن قال: وأما الرطانة، وتسمية شهورهم بالأسماء العجمية، فقال أبو محمد الكرماني -المسمى بحرب-:"باب تسمية الشهور بالفارسية"قلت لأحمد: فإن للفرس أيامًا وشهورًا، يسمونها بأسماء لا تُعرف، فكره ذلك أشد الكراهة. وروى فيه عن مجاهد حديثًا أنه كره أن يقال: آذرماه، وذي ماه. قلت: فإن كان اسم الرجل أسمّيه به؟ فكرهه. [الاقتضاء ص174] ثم قال عن الإمام أحمد: كراهته أن يتعود الرجل النطق بغير العربية، فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون، ولهذا كان كثير من الفقهاء أو أكثرهم يكرهون في الأدعية، التي في الصلاة والذكر، أن يُدعى الله أو يذكر بغير العربية.

وقد اختلف الفقهاء في أذكار الصلوات: هل تقال بغير العربية؟ وهي ثلاث درجات أعلاها القرآن. ثم الذكر الواجب غير القرآن، كالتحريمة بالإجماع، وكالتحليل، والتشهد عند من أوجبهما، ثم الذكر غير الواجب، من دعاء أو تسبيح أو تكبير أو غير ذلك.

فأما القرآن: فلا يقرؤه بغير العربية، سواء قدر عليها أو لم يقدر عند الجمهور، وهو الصواب الذي لا ريب فيه. بل قد قال غير واحد، إنه يمتنع أن يترجم سورة، أو ما يقوم به الإعجاز. واختلف أبو حنيفة وأصحابه في القادر على العربية.

وأما الأذكار الواجبة: فاختلف في منع ترجمة القرآن، هل يترجمها العاجز عن العربية، وعن تعلمها؟ وفيه لأصحاب أحمد وجهان: أشبهها بكلام أحمد: أنه لا يترجم، وهو قول مالك وإسحاق، والثاني: يترجم وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي.

وأما سائر الأذكار فالمنصوص من الوجهين، أنه لا يترجم. ومتى فعل بطلت صلاته، وهو قول مالك وإسحاق وبعض أصحاب الشافعي.

والمنصوص عن الشافعي: أنه يكره ذلك بغير العربية ولا تبطل. ومن أصحابنا من قال: له ذلك، إذا لم يحسن العربية.

وحكم النطق بالعجمية في العبادات: من الصلاة والقراءة والذكر -كالتلبية والتسمية على الذبيحة- وفي العقود والفسوخ -كالنكاح واللّعان- وغير ذلك، معروف في كتب الفقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت