ولا نسلم أن العلم الشرعي اقتصر نفعه على المسلمين فقط، فإن الوحي الإلهي فيه صلاح أمور العباد كلهم في سائر شؤون حياتهم ومعاشهم على مر الدهور واختلاف العصور.
قال الله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} [إبراهيم/1] .
وقال: {من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل/97] .
وقال: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى} [طه/123 - 124] .
وقال: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} [الأعراف/96] .
فالعلوم الربانية فيها حياة القلوب والأرواح وشفاؤها وهدايتها واستقامتها بخلاف غيرها من العلوم التي يظن أنها توصل إلى معرفة الله وعبادته وغاية ما فيها الدلالة على وجوده وقدرته وهذا وحده لا يكفي للنجاة قال الله تعالى: {أومن كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} [الأنعام/122] .
وقال: {وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} [الشورى/52] .
فسمى الله تعالى وحيه المنزل روحًا لأن به حياة الأرواح وسماه نورًا لأنه نور البصائر والقلوب.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعبد في غار حراء قبل نزول الوحي عليه ولم يكن قد دخل في شيء من أمور الجاهلية حاشاه فقد صنعه الله على عينه وجبله على خلق عظيم.
ومع ذلك فإن حاله بعد الوحي والعلم الإلهي مباينة لما كان عليه من قبل كما دل عليه قوله تعالى: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} .
ثم نقول: لو كانت العلوم الدنيوية نافعة وحدها في هداية الناس لانتفع بها هؤلاء الزنادقة وحالهم كما رأيت كفر بالله وجهل بدينه وتكذيب بكتبه ورسوله.
ثم هل يصح أن يسوى بين علم أنزله الله عز وجل على رسله وأمرهم بتبليغه وجعله نورًا للناس وبين علوم أرسطاطاليس وبطليموس وجالينوس وسقراط ونحوهم من ملاحدة الإغريق وفلاسفة اليونان؟