قالوا: وأما الخاصة والأذكياء (ويعنون أنفسهم وأضرابهم من الفلاسفة ومن يسمونهم الحكماء) فإنهم يفهمون المعاني مجردة عن هذه التخيلات، فلا حاجة لهم إليها [1] .
قلت: فهذا هو قدر الأنبياء عند الفلاسفة، وهذا هو اعتقادهم فيهم وفي الوحي الذي جاءوا به، وهو يقتضي إنكار نبوتهم أصلًا، وإنكار أن الله أنزل كتبًا بواسطة الملائكة، ويقتضي التكذيب بالقرآن وكونه منزلًا من عند الله وفيه اتهام صريح للأنبياء كلهم بالكذب على الله و على الخلق حاشاهم من ذلك. ويقتضي أيضًا إنكار اليوم الآخر والجنة والنار ثم هم من غلاة القدرية المكذبين بالقدر فكفروا إذًا بكل أركان الإيمان الستة.
ولا ريب أن من كان هذا اعتقاده في الله وكتبه ورسله فهو من الملاحدة الكفار ألد أعداء الإسلام ومثله يجب البراءة منه وإعلان ذلك على الملأ وتحذيرهم من تعظيمه والإشادة به وبعلومه ولو فرض أنه من أعلم الناس بالطب والعلوم الدنيوية.
قال الله تعالى: {لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} [المجادلة/22] .
قال القرطبي في تفسيره [17/ 308] :(استدل مالك رحمه الله من هذه الآية على معاداة القدرية وترك مجالستهم وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظلم والعدوان.
وعن الثوري أنه قال: كانوا يرون أنها نزلت في من كان يصحب السلطان)ا. هـ باختصار.
(1) انظر إغاثة اللهفان لابن القيم [2/ 190 - 192] وشرح النونية للهراس [1/ 136 - 139] .