الصفحة 8 من 25

والآن ينبغي لنا أن ننظر في العوامل التي أدت إلى الفساد في نظام المعايش، وأن نعلم من أي نوع هو. والنظر الصادق يدلنا على أن"الأثرة"الفاحشة هي الينبوع الأكبر الذي انفجر منه هذا الفساد، ثم هو يزداد شدة وتفاقمًا برذائل خلقية أخرى، وبالسياسة الشوهاء ومناهجها الملتوية، وبهذه العوامل أصبحت شجرة المعايش نخرة، ينفث الفساد سمومه في جوانبها، ولم تبق ناحية من نواحيها إلا وقد سرى إليها الداء وتمكن منها.

ولقد أسلفنا فيما تقدم أن التملك الشخصي، وتفاضل الناس في متع الحياة، وكون بعضهم أحسن حالًا من البعض الآخر في طعامه ولباسه، لا ينبغي أن يعد في نفسه فسادًا، ما دام ذلك من مقتضى الفطرة. ولو أن مكارم الأخلاق تؤدي رسالتها بين الناس، وتمسك بيدها ميزان الانصاف؛ أو لو كان للمجتمع نظام سياسي يقيم العدل بسلطته وقوّته؛ لما نجم للفساد قرن، ولا شكا الناس طغيان الشر. وإنما نشأ طغيان الشر من جانب الذين أصابوا الحظ الوافر من أسباب المعاش واكتسبوه بالعوامل الفطرية، فطرأ عليهم بعد ذلك طارئ من الأثرة وشحّ النفس والاسترسال مع الشهوة، فأحاطت به مفاسد الأخلاق. وزين لهم الشيطان أن يستهلكوا ما يزيد على حاجاتهم من الأموال ووسائل العيش في طريقتين: إنفاقه على أنفسهم في الملاذ والملاهي، أو استثماره وتنميته للادخار والتضخم حتى تكون منه وسائل جديدة لامتلاك رقاب الضعفاء والمساكين فيصبحوا آلهة لهم يتحكمون في أرزاقهم.

إن هذا التعليم الفاسد الذي أوحى به الشيطان وزينه لأهله كان من نتيجته أن جحد الأغنياء حقوق الذين لم يكن لهم نصيب فيما وزع بين الناس من مرافق الحياة ومتاعها، أو كان ما نالوه من ذلك أقل من أن يفي بحاجتهم. فلما جحد أولئك هذا الحق قست قلوبهم، فصارت لا ترق للبؤساء ولا ترثي لحال المساكين. وإنهم -لضيق أفكارهم وحرج صدورهم- صاروا لا يشعرون بأن قسوتهم هذه ستدفع بكثيرين من بني قومهم إلى ارتكاب الجرائم واقتراف الآثام، ليصيبوا من الطريق المحرّم أسباب العيش التي حيل بينهم وبين الحصول عليها من الطريق المستقيم، وبذلك ينحدرون في هوة سحيقة من النذالة وفساد الأخلاق، ويصبحون عرضة للأمراض والانحلال الخلقي. وإن ما يفقده هؤلاء التعساء المعدمون من قواهم الفردية الفكرية والجسمية، تفقد به الأمة بمجموعها جزءًا من ثروتها الإنسانية. ولولا ما أصيب به هؤلاء المحرمون بسبب حرمانهم لكانوا مددًا للحضارة في تقدمها وللمدنية في رقيها وللإنسانية فيما تقوم به من واجباتها. فهؤلاء الأغنياء الغلاظ القلوب قد غاب عنهم أن تأخر البؤساء والمساكين عن موكب الهناء قد جر الضرر على الأمة لأنهم أعضاء في الكيان القومي.

ومن العجيب أن هؤلاء الأغنياء، بل الأغبياء، لم يقفوا من غباوتهم عند حد بل وسعوا دائرة حاجاتهم، وزادوا في مرافقهم وتأنقوا فيها، وما كان زائدًا عن حاجاتهم اللازمة صاروا يعدّونه من اللوازم، واستخدموا كثيرين من بني جنسهم ليعملوا لهم في إشباع نهمهم وإطفاء لهبهم وإرواء ظمأهم وإرضاء جشعهم، فتعطلت تلك القوى عن الأعمال الأخرى النافعة، بعد أن كانت مرصودة للسير في طريق الحضارة، وهؤلاء الجشعون هم الذين اعتبروا الزنا حاجة لازمة من حوائجهم، فاصطنعوا له من النساء مومسات وبغايا ومن الرجال قوادين وديوثين. وجعلوا الغناء الخليع من ملاهيهم، فربوا له لفيفًا من المغنين والراقصين والصناجين وصانعي المزامير والطنابير وآلات الموسيقى. واتسع هؤلاء في ميدان المجانة والمتعة واللهو فأعدوا لذلك طوائف أخرى من المجان والراقصات والممثلين والقصاص والمصورين، فتحملت الإنسانية أعباء مهن وصناعات لم تكن في حاجة إليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت