إذا نظرنا إلى هذه المعضلة نظرة عادية، منصرفين بوجوهنا عن مصطلحاتها المعقدة، والتعابير الصعبة، يتبين لنا أن مشكلة الإنسان الاقتصادية يمكن تلخيصها بمسألة واحدة وهي: كيف يمكن إقامة نظام يوفر لجميع أفراد البشر كل ما يفتقرون إليه في حياتهم اليومية، بغير أن يخل ذلك بسير الحضارة وتقدمها الطبيعي نحو الكمال؟ وكيف يستطيع كل فرد منهم أن يتقدم ويترقى بنسبة كفاءته واستعداده الفطري، وكيف يقدر على تنمية سجاياه وتربية شخصيته على الأخلاق المرضية، وكيف يتمكن كل واحد من بلوغ الكمال فيما يريده بقدر ما تسمح له بيئته الخاصة؟
كان أمر المعاش سهلًا يسيرًا على الإنسان في أول الأمر، كما كان سهلًا لأنواع الحيوان. وكان متاع الحياة متوفرًا مبذولا على سطح الأرض، وسهل التناول لمن يريده، فكان كل إنسان يخرج في طلب الرزق فيصيب منه ما يجده دون أن يدفع لأحد ثمن ما يأخذ، ولم يكن من المألوف أن يستبد أحد دون أحد بالرزق المباح فيضطر المحروم إلى الصراع والكفاح لانتزاع ما حرم منه. وكان الإنسان إذا أحس بالجوع خرج إلى الغابة يجني من ثمار الأشجار التي أنبتتها يد القدرة الإلهية في صعيد الفطرة، أو ليصطاد من سائمة الحيوان ما لا عهد لأحد بحيازته واقتنائه، ويهيء من ورق الشجر ما يواري به سوأته ويقي به جسمه من عادية الحر والقر. وإذا شعر بحمارة القيظ في النهار أو قشعريرة البرد في الليل، آوى إلى كهف أو لجأ إلى مغارة أو اتخذ له خباء من وبر أو شعر.
وما كان الإنسان مخلوقًا ليبقى هكذا أبد الدهر في الحياة الساذجة، بل أودع الله سبحانه في هذا المخلوق من القوى ما يؤهله لأن يعيش عيشة اجتماعية، وأن يصنع لنفسه متاعًا مريحًا يتمتع به، والإنسان مدني بالطبع تحفزه غريزته إلى إنشاء الحياة الاجتماعية التي يحياها مع ذويه. فالرجل والمرأة قد جبلا على أن يعيشا معًا، لما في كل منهما من الرغبة في الآخر والحاجة إليه. وإن شفقتهما على الولد وحنوهما عليه تزيد ارتباط أحدهما بالآخر حتى يربى ولدهما في حجرهما وينشأ على أعينهما. تلك هي نواة الأسرة، ثم تنمو وتتسع، ويتعاون أفرادها ويتحابون فيما بينهم. وهذا مما حمل الإنسان على أن لا يعيش بمعزل عن إخوانه وجيرانه. وإن ما أودعه الله في النفس الإنسانية من القوة على الصناعة والتسخير جعله لا يكتفي بما تخرج له الأرض بنفسها من ثمار وبقول، ولا يقتصر في ستر جسمه على ما يصيبه من أوراق الأشجار، ولا تطمئن نفسه إلى الاكتفاء بالكهف والمغارة في اتقاء عاديتي الحر والقر، فاخترع المحراث يستخرج به من طعام الأرض أكثر مما كانت تخرجه بنفسها وأطيب وألذ، وصنع آلة النسيج يحيك بها لجسمه أجمل اللباس وآنقه، وهدته مواهبه العقلية لأن يبني من صفاح الحجارة والآجر والطين دورًا متينة وبيوتًا مؤسسة محكمة وقصورًا شامخة يستظل بسقفها نهارًا ويبيت في غرفها ليلًا. وحتى جوارحه لم يقعد مكتفيًا بها، فاتخذ من الحجارة والخشب والحديد آلات تستعين بها جوارحه في صنع ما يحتاج إليه، فارتقت حياته، ورغد عيشه ونعمت حاجاته، فكان متمدنًا. وهو بسعيه لأن يكون متمدنًا لم يجترم في نفسه جريمة، بل جرى مع ما يقتضيه طبعه، وما أعده له خالقه، فقد أودع فيه من القوى والمواهب ما هداه إلى هذا الإبداع ووفقه للاختراع.
والمدنية لا بد لها من أمور تلزمها:
الأول: أن تزداد حاجات الإنسان وتتنوع، وأن لا يقدر الفرد وحده على إعداد كل ما يحتاج إليه، فيقوم بعض الناس بما يحتاج إليه الآخرون، ويقوم هؤلاء بما يحتاج إليه أولئك.
الثاني: التبادل في حاجات الحياة، والتدرج بعد ذلك لإيجاد ما يبادل به، وهو واسطة المبادلة الذي يقوم به الثمن.