الثالث: ازدياد الآلات التي تصنع بها لوازم الحياة، وتسهيل وسائل النقل، وتمهيد طرق المواصلات، ليتمتع الإنسان بكل ما وصل إليه جنسه من اختراعات واكتشافات حديثة.
الرابع: اطمئنان الإنسان بأن ما اكتسبه بعرق جبينه وكد يمينه يبقى ملكًا له فلا ينتزعه أحد من يده، ويرثه عنه بعد موته من هو أقرب إليه نسبًا وأمس به رحمًا.
إن كل ما تقع أنظارنا عليه من صناعات ومتاجر وتسوق وتقويم للسلع، واستعمال الذهب والفضة في تقويمها، وما هو واقع بين الأمم من المبايعات والتعاطي بالاستيراد والتصدير، وابتكار الآلات الجديدة في الانتاج والاستهلاك، وما يتعلق بذلك من حقوق الملك والتوارث، كل هذا جار على سنة الفطرة الإنسانية، والاضطلاع به لا يعتبر في نظام الفطرة ذنبًا يستتاب منه.
ومع تقدم الحضارة والارتقاء المدني أصبح لزامًا:
(1) أن يكون التفاوت بين الناس في الكسب بحسب تفاوتهم في المواهب والقوى والاستعداد، فمنهم من يكسب أكثر مما يحتاج إليه، ومنهم من لا يستطيع اكتساب ما يفي بحاجاته، ومنهم من يكتسب بقدر الكفاف.
(2) أن تكون الوراثة من عوامل الهناء أو الشقاء بين الناس، فمنهم من يرث مالا فيستقبل الحياة بالهناءة وسعة العيش، ويرى مجال العمل واسعًا أمامه. ومنهم من يبدأ حياته بالضنك فتعييه وجوه المعاش، ويعالج وسائله في ظروف خاصة يغالبها وتنازعه. ومنهم من يخوض معترك الحياة فتسد في وجهه أبواب الكسب، فيقعد من دونها عاجزًا لا حيلة له ولا يهتدي سبيلا.
(3) أن في كل قرية أو مدينة ثلة من الناس لا يقدرون على الكسب وتحصيل الرزق، كالصبيان والشيوخ والضعفاء والمرضى.
(4) أن يكون في الناس مخدومون وخدم ومستأجرون وأجراء، فيتسع بذلك مجال آخر لكسب العيش بالخدمة والأجرة، كما يتسع للزراعة والصناعة والتجارة.
وهذه الأمور ظواهر طبيعية للتمدن الإنساني، وليس فيها ما يعد سبة على الإنسانية فيجهد الناس أفكارهم للعمل على محوها وإزالتها. وما يبدو في المدنية من فساد قد أخطأ كثير من الناس إدراك عوامله. ولم يفطنوا لمنشأ الشر، والمصدر الذي ينجم عنه. فمنهم من زعم أن الفساد يرجع إلى التملك الذاتي، ومنهم من يعزوه إلى الدينار والدرهم، ومنهم من ينسبه إلى الآلات والمكنات الحديثة، ومنهم من يحصر أسباب الشر في تفاوت الكفاءات والفوارق بين الناس في الاستعداد، ومنهم من يرمي عبء المسؤولية على المدنية نفسها.
إنهم لم يصيبوا في تشخيص الداء ولا في وصف الدواء، فالذي يريد حل معضلة المعايش الإنسانية بوقف تيار الحضارة التي نشأت بعوامل فطرية اقتضاها طبع الإنسان، ويحاول تغيير ظواهرها الطبيعية، فإنما يحاول المستحيل، ويعمل للإفساد من حيث يريد الإصلاح. ومسألة المسائل في حياة الإنسان إنما هي -في الحقيقة- الوصول إلى ما تستأصل به عوامل الاجحاف والبغي، مع المحافظة على اطراد التقدم المدني الذي تقتضيه طبيعة الإنسان. والسعي لتحقيق غاية الفطرة المنشودة بحيث يصيب كل إنسان كفايته من الرزق، وإزالة الموانع التي يتبدد عندها مقدار عظيم من القوى الحيوية لتعذر وسائل استعمالها والحاجة إلى الذرائع المؤدية إليها.