والآن هيا بنا ندرس الإسلام ونتحرّى سننه، علنا نجد فيه الحل لهذه المعضلة التي حار في حلها عقلاء العالم.
إن الإسلام -حين تدرسه درسًا عميقًا- يدلك على أنه قام على أساس في حل جميع مسائل الحياة لا يعارض أصول الفطرة، ولا يهمل جانبًا من جوانبها، ولا يتجاهل حقيقة من حقائقها. فإذا وجد الإنسان قد انحرف عن أصل من أصول الفطرة أخذ بيده ودله على طريقها الأزلي السوي. وللإسلام أساس ثان بنى عليه جميع أصوله في الإصلاح الاجتماعي، وهو أنه لا يقتصر على سن القواعد في النظام المدني، بل يدعمها بالحث على مكارم الأخلاق وإصلاح الأفكار وتزكية الأنفس ليكون منها رقيب على مواصلة العمل بتلك القواعد، وبذلك يحسم الشر بحذافيره وتجتث نوابت الفساد من أصولها. وهنالك أساس ثالث للإسلام تراه شائعًا في أنظمته كلها، وهو أن الحكومة لا تلجأ إلى القوة، ولا تستعمل أحكامها الصارمة إلا في الضرورة الحتمية التي لا مناص منها.
وبناء على هذه الأسس الثلاثة أقر الإسلام -في المسائل الاقتصادية للحياة الإنسانية- جميع الأصول الفطرية التي قام عليها صرح اقتصادي إنساني ثابت لا يحتاج إلى تعديل. والإسلام في نظامه هذا لا يعارض إلا البذور غير الطبيعية التي تسربت إلى حقل الشؤون الاقتصادية واختارها الإنسان بوحي من الشيطان. وأكثر ما يقوم به الإسلام من عملية الاستئصال لهذه البذور الغريبة بدافع من تعاليمه في إصلاح الأخلاق والحث على عمل الخير، وقليل من ذلك يتم بتدخل الحكومة.
وبما أن الإنسان -في النظام الإسلامي- حر في نشاطه الاقتصادي، ومطلق اليد في الحصول على مرافق الحياة ومتاع الدنيا؛ وهو يملك ما اكتسبه من الحلال وما حصل عليه بكد يمينه وعرق جبينه؛ فإن أفراد المجتمع يتفاوتون في الغنى والثروة على قدر سعيهم وبحسب ظروفهم، ولذلك كان بعضهم فوق بعض في الرزق ومتاع الحياة، تبعًا لكون بعضهم فوق بعض في الكفايات والمواهب. ولما كان هذا فطريًا فالإسلام يعترف به، ثم يتخذ له أحكامًا يمنع بها البخس في الحقوق واعتداء بعض الناس على بعض، ويأخذ على أيدي الذين يحاولون أن يتعدوا حدود الفطرة.
وإليك -أولًا- مسألة كسب المال. فالإسلام اعترف للإنسان بحقه في طلب متاع الحياة من أرض الله، وأباح له أن يستفرغ جهده فيما يحبه ويهواه من أساليب في اكتساب مرافق الحياة ولوازمها، إلا أنه لم يبح له في سبيل الحصول على وسائل الحياة أن يختار طريقًا لذلك يفسد عليه أخلاقه، ويهبط به إلى هاوية الرذيلة، أو يضر بالمجتمع المدني، أو يجرّ إلى نظام الأمة الفساد والدمار. ومن هنا حدد الإسلام لطالب الكسب حدودًا لا يجوز له أن يتعداها، فأحل له بعض الوسائل وحرم عليه بعضًا آخر. وبين له جميع ما هو حرام عليه -من الطرق الاقتصادية- بيانًا وافيًا، ولم يحرمه عليه إلا لأنه مضر بالفرد أو مضر بالحضارة.