الصفحة 5 من 25

إن مسألة المعايش قد التوى أمرها على علماء الاقتصاد، واستعصت على المتخصصين في بحوثها، فلم يجدوا إلى حلها سبيلا. وذلك لأنهم قصروا نظرهم فيها على هذه المسألة وحدها، والذين توسعوا في نطاق البحث اعتبروها هي وحدها مسألة المسائل في حياة الإنسان، بل لقد بالغوا في ذلك وأمعنوا فاتخذوها أساسًا لفلسفة الحياة والأخلاق والحضارة ومسائل الاجتماع. وإذا كانت المعايشات -أعني ملء البطون- هي غاية الإنسان وقصارى حياته فأي فرق بينه وبين الثور الذي لا هم له إلا أن يرتع في الحشيش الأخضر فيسمن، ويخور، ويجري هنا وهناك؟ إن كان الإنسان كذلك فهو كبهيمة الأنعام تعيش لترعى وترتع ولتعبّ من الماء وتنطلق على هواها بلا شكيمة ولا زمام، وإذا كانت الغلبة لأمر المعاش وحده من بين نزعات الحياة الأخرى الخلقية والروحية والعقلية والاجتماعية والنفسية فلا بد إذن من أن تفقد هذه النزعات الأخرى اتزانها، وتكون لمعاش الإنسان اليد المطلقة الغلابة التي تقهر سائر نواحي الحياة المتنوعة، فتندمج نواحي الإنسان الخلقية والروحية في شهواته الاقتصادية ونسخرها في سبيل ملاذه المادية، فتصبح الفنون العقلية والإنسانية وسيلة للاقتصار على المأكل والمشرب والملبس والمنكح، وكيف يقوم صرح العلوم العمرانية على هذا الأساس؟ بل كيف تؤسس هذه العلوم العمرانية على هذا الأساس؟ بل كيف تؤسس هذه العلوم بأيد لا تحركها إلا أغراض شهوانية ونزعات منحطة؟ إن الإنسان في هذه الحالة لا يتأمل نفسه ولا يتدبر أمره حسب أصول"علم النفس"إلا كحيوان سائم أفلت زمامه، وهل يمكن أن تصاب الإنسانية بظلم أعظم من هذا الظلم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت