لكن الإنسان لا يقتصر على أنه مجموعة من الأخلاق والروح فحسب حتى يقصر منهاج حياته على ما تقتضيه ناحيته الروحية وتتطلبه علوم الأخلاق، بل الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن الإنسان جامع لكل ما ذكرنا، ومشتمل على ما أشرنا إليه من نواحي الحياة العديدة المتنوعة لكن الذي ينبغي أن لا يغيب عن نظر القارئ المستبصر أن للإنسان ناحية أخرى لا تقل أهمية وخطورة عن نواحي الحياة التي تقدم ذكرها آنفًا. وذلك أنه -بوجوده، وحقيقته، وبجميع نواحي حياته- جزء من مجموع هذا النظام الكوني العظيم. فإذا أردنا أن نسن للحياة البشرية نظامًا وجب علينا قبل ذلك أن نعرف منزلة الإنسان في هذا الكون ونتبين الطريق الذي ينبغي له سلوكه لأداء وظيفته الأساسية من حيث هو جزء من مجموع النظام الكوني. وفي الوقت نفسه لا بد للإنسان أن يعين غايته من الحياة، وأن يعرف الحكمة التي لأجلها أوجده الله، حتى لا يشذّ عن الهدف الأسمى الذي ينبغي له أن يشخص ببصره إليه في كل عمل من أعماله، وفي كل مرحلة من برنامج حياته. وهاتان المسألتان لا شك أنهما من مسائل الحياة الأساسية. وعلى قواعدهما ينهض بنيان فلسفة الحياة، وبعد ذلك تأخذ بالعمل هذه العلوم التي تتصل بالإنسان وبالعالم، فتبدأ عملها في ظل فلسفة الحياة، وتهيئ لها المعلومات اللازمة في مراحلها المختلفة، إلى أن يتشعب وينشأ من مجموعها منهاج شامل تدور الحياة الإنسانية حول محوره.
إذا عرفت هذا، فإنك حين تريد أن تستجلي مسألة من مسائل الحياة، ينبغي لك أولًا أن لا تحصر نظرك في دائرتها الضيقة، وينبغي لك ثانيًا أن لا تقدم على استجلائها وأنت متعصب لنظرة خاصة انطويت عليها، أو فكرة محدودة كنت مقتصرًا عليها، فإن ذلك يباعد ما بينك وبين الحق، وينأى بك عن بلوغ ما تنشده من الإصابة والنجاح؛ بل عليك أن تنظر بعين الإنصاف إلى المسألة التي تريد استجلاءها، غير متعصب لها أو عليها، واضعًا نصب عينيك أنها حلقة من سلسلة كاملة، ولها علاقة بمسائل الحياة الأخرى.
وكذلك إذا لاحظت في مجموع الحياة الإنسانية فسادًا، أو انتبهت إلى ثلمة في ناحية من نواحيها، فمن الخطأ العظيم أن تحاول إصلاح فساد الحياة الإنسانية، أو سد الثلمة التي انتبهت لها، بأن تجعل مسألة واحدة من مسائل الحياة المتنوعة ذات خطورة وأهمية بحيث تظن أنها هي وحدها مجموع مسائل الحياة، وأن الحياة كلها تدور حول تلك المسألة الخاصة، فإذا فعلت ذلك كنت قد أفسدت ولم تصلح. لذلك كان عليك أن تتأمل -بغير تعصب سابق لنظرية ما- في نظام الحياة البشرية كلها، وتنعم النظر في فلسفة الحياة بجميع تفاصيلها، حتى تتمكن من معرفة نوع الفساد وتحدد موضعه وتصل إلى منشئه وعوامله.