الصفحة 3 من 25

والحق أن هذه المسائل كلها إنما هي نواح مختلفة ومظاهر متنوعة للوحدة الكلية، ولكل مسألة من هذه المسائل الإنسانية مكان خاص لا ينكر أحد أهميته وخطورته، وذلك أن الإنسان جسم وروح، فمن ناحية كونه جسما هو من موضوع العلوم الطبيعية وتتعلق به قوانينها. وبما أنه من الناحية الأخرى ذو حياة لا شك فيها، فإنه موضوع علم الحياة Biology وعلم الحيوان Zoology أيضًا، وتجري عليه قوانينهما ويستخرج منها نظام حياته. ثم إن الإنسان يحتاج لاستمرار حياته إلى غذاء يتغذى به، وإلى لباس يكتسيه، وبيت يؤويه؛ ومن هنا كان"للمعاشيات"أثر ظاهر في حياته ومن ذا الذي ينكر أن في الإنسان ميلًا غريزيًا قويًا إلى الاتصال الجنسي الذي يكون به بقاء النوع الإنساني؟ ومن هنا لا بد له من الإلمام بعلم الجنسيات. بيد أنه ليس بالحيوان الذي لا يهمه إلا مطعمه ومشربه وكسوته، وليس بآلة تقتصر على التوالد حتى لا ينظر إلى شؤونه إلا بمنظار الجنسيات، بل إن له أيضًا نفسا ذات شعور وإدراك، وفيه من الميول المختلفة والنزعات المتنوعة شيء كثير. ومن هنا كان له علاقة قوية بعلم النفس، وإن لهذا العلم نصيبًا وافرًا في حياته. غير أنه ليس مقتصرًا على أنه نفس فلا يتعداها في شؤونه، ولا يخرج في مسائله ونظام حياته عما يقرره علم النفس ويحدده.

الإنسان مدني بالطبع، وإن حاجاته ولوازم حياته تدعوه إلى حسن المعاشرة مع الآخرين من إخوانه وبني جنسه. ولحياته ناحية اجتماعية، غير أن حاجته إلى أنظمة الحياة الاجتماعية لا تبيح للمتخصصين في علوم الاجتماع والعمران أن يحصروا الإنسان في أنظمة علومهم فتدور حولها رحى حياته غير مهتم بأنظمة النواحي الأخرى من شؤونه. ومما لا ريب فيه أن الإنسان كائن حي عاقل يحتاج بطبيعته إلى إدراك ما وراء المحسوسات، فيتطلب ما تطمئن به نفسه ويسكن إليه عقله. لذلك كانت العلوم العقلية تغذي قواه العقلية وتساير نزعته الفطرية إلى هذه الناحية. لكنه -مع ذلك- ليس عقلًا صرفًا فيقتصر في منهاج حياته كلها على ما في العلوم العقلية من مبادئ، بل هو -كما قلنا- كائن حي فيه من النوازع المختلفة ما فيه، وفيه محبة للأخلاق العالية وللروحانية السامية، وبذلك يميز بين الخير والشر، ويدرك به ما لا تصل إليه حواسه الطاهرة، فيخترق حجب المحسوسات والمعقولات. وبتلك القوة الملكية والنزعة العالية يدرك من الحقائق ما كان يمتنع عليه إدراكه بغيرها. فالمبادئ والأصول التي ترجع إلى الأخلاق العالية والروحانية السامية تملأ في حياة الإنسان فراغًا، وتقضي له من حاجاته الأدبية جانبًا عظيمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت