ومما زاد مشاكل المعاش تعقيدًا أنهم فصلوها عن مسائل الحياة الكبرى، مع أنها -في الحقيقة- حلقة في سلسلتها، فنظروا إليها كأنها مسألة مستقلة بنفسها، منفصلة عن أخواتها، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل بقيت مشكلة المعيشة موضع اهتمام المفكرين تسترعي أسماعهم وأبصارهم، وكادت تستولي على أفكارهم حتى كأنما هي مسألة الحياة كلها. وهذا الخطر أشد وأخطر من الخطأ الأول، وبه أصبح حل هذه المعضلة ضربًا من المستحيل. وإن مثلهم في ذلك كمثل طبيب نطاسي ماهر في أمراض الكبد، لكنه يعتبر الكبد مستقلة عن الأعضاء الأخرى في الجهاز الإنساني الداخلي، فإذا دعى إلى البحث في كبد مريض لم يلتفت إلى علاقة هذا العضو بالأعضاء الداخلية الأخرى، ويروح مكبًا في بحثه كأن الإنسان كله كبد، ولا يصف للمريض من دواء إلا ما يوصف للكبد وحدها. والكبد مهما عظم أمرها ليست إلا عضوًا من أعضاء الإنسان، ولا يتم شفاء صاحبها إلا إذا عمت الصحة بقية أعضائه من القلب إلى الكلى والرئة والأمعاء وغيرها. فإذا اقتصر الطبيب على معالجة مريضه من ناحية الكبد وحدها، متغافلًا عما يحتمل أن يكون من ضعف في بقية أعضائه، يكون مثله كمثل هؤلاء الذين يبحثون مسألة المعايش دون أن يلاحظوا المسائل الإنسانية الأخرى ظانين أنها هي المعضلة الإنسانية الوحيدة وأن جميع معضلات الإنسانية تحل بواسطتها. فهل ترى المصير يزداد في هذه الحالة إلا ارتباكًا وغموضًا؟
إن من عيوب عصرنا إحجام أهل التخصص عن الإحاطة بشؤون الحياة الإنسانية جمعاء، وإعراضهم عن النظر إلى مجموع مشاكلها بعين المتبصر الحصيف. لأن كل فريق منهم قد اعتاد النظر إلى الشطر الذي هو متخصص فيه كأنه كل منفصل عن غيره، فأدى ذلك بهذا الإنسان المسكين إلى أن أصبح ألعوبة بأيدي هؤلاء المتخصيين المهرة يعبث به كل فريق منهم من ناحيته: فالبارع منهم في العلوم الطبيعية -مثلًا- يحاول أن يحل مشاكل العالم كلها بأساليب معرفته بالطبيعيات، غير عابئ بغيرها، ولا مقيم لما سوى ذلك وزنًا. والمتخصص في علم النفس قد استغرق فكره في مبادئ ذلك العلم ومقاييسه، فهو يريد أن يقدم للعالم الإنساني حلولا مستنبطة مما يعلمه من مبادئ علم النفس وأصوله، ويرى أن فلاح العالم وصلاحه لا يتم إلا إذا قام نظام الأمم وأساليب حكمها على مبادئ علمه. وأما من ينظر إلى العالم بمنظار الشهوات الجنسية فيخيل إليه أن العالم تدور رحاه حول ما يفكر فيه من هواجس الشبق والغلمة، ومثل هذا لا يخطر في باله خاطر حتى عن وجود الإله إلا من طريق شهواته والعياذ بالله. وكذلك الذين أشربت قلوبهم المسائل الاقتصادية وأفتنوا بها يريدون أن يحملوا الناس على الاعتقاد معهم بأن مسائل العيش هي القوام الأصلي للإنسان، وكلُّ ما عداها تبع لها ومتفرع عنها.