وكان لهؤلاء المترفين ملهى بالصيد؛ فاتخذوا له عددًا غير قليل من أبناء الأمة أصبحوا لا عمل لهم في الحياة إلا أن يزجروا لهم القنائص من ها هنا وهنالك، ويتخذوا لهم أسباب المتعة فيه، ولولا ذلك لعمل هؤلاء لمجتمعهم عملًا أجدى وأنبل. ثم رأى هؤلاء المترفون أنهم في حاجة إلى أن يسكروا ويترنحوا ويعربدوا، فنشأت من حولهم جماعات كثيرة وقفت حياتها على استقطار المسكرات وصنع المخدرات من الخمر والأفيون والحشيش، وتيسير الحصول عليها، وتمهيد أسباب استعمالها.
فإخوان الشياطين هؤلاء لم يكتفوا بأن كانوا السبب في بقاء كثيرين من أبناء مجتمعهم مرضى بالأسقام الجسمية والأمراض الخلقية والأدبية، محرومين من العناية والرعاية التي تقتضيها الروابط الإنسانية، بل صرفوا فريقًا آخر من أبناء المجتمع البشري عن الأعمال الصالحة والجهود النافعة، واستعملوهم في تيسير المنكرات وسيء الأعمال. وبذلك وجهوا تيار المدنية الصالحة نحو الغواية والعماية، ونحوا بها نحو الدعارة والخلاعة. ولم يقفوا عند هذا الحد من إضاعة المواهب البشرية التي هي من ثروة الإنسانية، بل أساؤوا استغلال الثروة المادية أيضًا فاستهلكوها في أكثر مما يحتاجون إليه في قصورهم الشامخة والحدائق الواسعة ودور التمثيل الرحبة. وبلغ بهم السرف والترف أن اتخذوا لرممهم بعد موتهم مباني فخمة وهياكل عظيمة يدفنون فيها، فشغلوا رحابًا واسعة من الأرض كانت تصلح لأن يسكن فيها كثيرون من بني الإنسان لا يجدون لأنفسهم وذويهم مأوى يأوون إليه. وهكذا ضاع كثير من الجهود البشرية والثروات الإنسانية والرحاب الواسعة من أرض الوطن العزيز لتكون مدافن ومقابر للذين غزتهم الحياة الدنيا وهم عن الآخرة معرضون.
وكان لهؤلاء المترفين رغبة شديدة في الحلى الثمينة والملابس الفاخرة والأواني الزاهية، وأمعنوا في التأنق حتى اتخذوا للأبواب والشبابيك روائع الستور المذهبة والسجوف المزركشة والمرصعة، وزينوا جدران أبهائهم في بيوتهم ببدائع الصور الثمينة والرسوم الأثرية، ولم يتركوا من أرض قصورهم وبلاط مبانيهم ناحية إلا ألبسوها حللًا زاهية من الطنافس الجميلة والزرابيّ البهية والبسط الفاخرة، حتى لقد اتخذوا لكلابهم مقاعد مكسورة بفاخر الدمقس، وقلدوا أعناقها بالعقود الذهبية، فأنفقوا على ذلك من أموال الأوطان ما كان جديرًا أن تسد به خلة الفقراء وتقضي به حاجات المساكين. واستخدموا من الجهود البشرية والمساعي الإنسانية المتواصلة ما لو استخدم في الخير ووضع في موضعه الصالح له لوجد به كثيرون من العراة ما يسترون به أجسامهم ولأصاب منه طوائف الجياع ما يطفئون به لهب مسغبتهم، ولكن ذلك كله قد ذهب أدراج الرياح وضاع بين سرف المترفين ومجون المستهترين.