الصفحة 10 من 25

هذه ناحية واحدة من نواحي الفساد الذي استشرى باتباع الخطوة الشيطانية الأولى. وأما الناحية الأخرى من هذا التعليم الفاسد، فكانت أسوأ حالًا وأبشع مظهرًا. فمن ذلك أنهم اعتقدوا أن الذي يملك فضلًا من مرافق الحياة وفيضًا من وسائل العيش، ينبغي له أن يدخره ويكنزه حتى لا يصرف منه شيئًا إلا فيما يعود عليه بالاستغلال وتوفير المال وتنمية الثروة حتى تكون أضعافًا مضاعفة، وذلك ما لا يخفى عليه أحد قبحه وفساده. لأن ما خلقه الله على الأرض من متاع الحياة ومرافقهم إنما هو لسد حاجات البشر، فإذا توفر لك -لحسن حظك- من مرافق العيش ومتاع الحياة أكثر من حاجتك فاعلم أن الزائد عن حاجتك هو من نصيب إخوانك، وأنت تدخره وتكنزه وتضنن به عليهم وهم في حاجة شديدة إليه. تأمل البيئة التي تعيش فيها، وقلب نظرك في وجوه الناس الذين تراهم من حولك، فإذا رأيت فيهم من لا يقدر على أخذ نصيبه من متاع الحياة، أو وجدت فيهم من ينال من متاع الحياة أقل من القدر الذي يكفيه، فاعلم أن ما فضل عندك من المال أو المتاع أو المرافق ينبغي أن يكون منه نصيب لأولئك البائسين المنغصي العيش. وإذا كان هؤلاء قد قعد بهم العجز وقصرت يدهم عن اكتساب رزقهم والحصول على نصيبهم، فادفع أنت إليهم نصيبهم الذي تجده في يدك فإن لم تفعل وصرفت فضل مالك في تنمية ثروتك واستثمار أموالك فتلك جناية ترتكبها نحو المجتمع البشري. لأنك إن فعلت ذلك كسبت بمالك أكثر مما تحتاج إليه، وتراكمت عندك فضول العيش. وأي نفع يعود عليك من اكتساب مالا تحتاج إليه، بل لعلك تزداد به شرهًا ويحملك مالك الكثير على أن تشبع به نهمك، وتستجيب به لجشعك. نعم، إن ما تبذله من جهودك، وتشغله من أوقاتك، وتستهلكه من قواك -في سبيل كسب الرزق، والحصول على مرافق الحياة اللازمة -أمر محمود، وعمل مستقيم، لكن استعمال ذلك في سبيل ما لا يعوزك ولا تحتاج إليه من أسباب الرغد وعوامل الترف والرفاهة، يجعلك حيوانًا نهمًا جشعًا، وتتحول به إلى آلة لا عمل لها إلا استثمار الثروة. والعرب لما ضربت المثل السائر"وَحْمى بلا حبل" [1] إنما أرادت أمثالك من عباد الشهوات. ولو تأملت نفسك وتدبرت خلقك لوجدت لوقتك وجهدك وقواك الفكرية والجسمية متسعًا كافيًا للعمل، ومجالًا فسيحًا للنشاط، هو خير مما تصرفها فيه. لأن ما زينه الشيطان لأتباعه وأنصاره تمجه الفطرة الأصيلة ويأباه العقل السليم وتنكره التجارب البشرية. وما ينوه على هذه النزعة من منهاج العمل بلغ من الفساد والشر ما لا يقدر أحد على إدراك عواقبه السيئة ونتائجه الفاسدة.

إن لهم طريقتين في استعمال ما فضل عن حاجاتهم من وسائل الحياة وأسباب العيش طمعًا في استثمار المال وتوفير الثراء، ورجاء الاستيلاء بها على الوسائل الأخرى من وسائل الحياة:

الأولى إقراض فضل أموالهم بالربا.

والأخرى استعمال ذلك في مختلف وجوه التجارة أو الصناعة.

وهاتان الطريقتان وإن اختلفتا فإنهما متحدتان في أنهما تنتجان نتيجة واحدة هي أن المجتمع البشري ينقسم إلى طبقتين طبقة أقلية هنيئة العيش رخية البال تتوفر لديها -لكسب المرافق- وسائل أكثر مما تحتاج إليه، فتستأنف استعمالها في استثمار المال وتوفير الثراء لتستولي بذلك على وسائل أخرى لم تكن تملكها من قبل. وطبقة أخرى تتألف من جماعات شتى: جماعة توصلت إلى الكفاف من العيش فهي تملك من المرافق ما تسد به خلتها، وجماعة لها من أسباب الحياة ما تقضي به بعض حاجاتها وتبقى لها حاجات غير مقضية، وجماعة بائسة تعيش عيشة الشقاء لأنها لا تملك شيئًا ولا تقضى لها حاجة.

(1) يضرب مثلًا لصاحبة الشهوة الذي لا يذكر له شيء إلا اشتهاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت