الصفحة 11 من 25

إن هاتين الطبقتين في تنازع واختلاف، لأن سعادة إحداهما باستمرار الشقاء على الطائفة الأخرى، ومن هنا كان نظام العيش في هذا المجتمع قائمًا على الكفاح والمقاومة بدلا من أن يقوم على التعاون وتبادل المصالح. وكلما ازدادت المقاومة شدة وعنفًا قل عدد الطبقة الثرية، وازداد عدد الفقراء والبائسين. ومن طبيعة هذا النزاع أن الذي يملك ثروة أعظم يستعين بفصل ماله المدخر وثروته الضخمة على جعل كل من كان أقل منه مالا أكثر فقرًا وحياته أشد نكدًا مما كان عليه من قبل، فينحدر نحو الطبعة المعدمة البائسة وينضم إلى الجماعة النكدة الشقية. ويفضي ذلك إلى أن تكون مرافق الحياة وأسباب العيش أضيق نطاقًا ولا يملكها إلا عدد محدود من الأغنياء، أما نطاق الفقر والبؤس فيتسع ويزداد عدد أهله من البؤساء الذين يحتاجون إلى الأغنياء في قضاء حاجاتهم. وتبتدئ هذه المقاومة في مجال ضيق ونطاق محدود، ثم تزداد قوة وشدة، ويتسع مجالها حتى تدخل فيه البلاد والأمم، ولا يزال أمرها في شدة ونارها في لهب حتى تلتهم نيرانها أرجاء العالم، بينما جشع الأغنياء ونهم الأقوياء يستمر في طريقه ما استطاع.

وتفصيل ذلك أن بلادًا تعوّد أهلها أن يستعملوا ما زاد من المال عن حاجاتهم في وجوه التجارة أو الصناعة يحاولون أن يسترجعوا رأس مالهم بأرباحه من بيع مصنوعاتهم في بلادهم، فإذا عجز مواطنوهم عن شراء كل ما يصنعونه لكثرة الفقراء الذين يحتاجون إلى تلك المصنوعات ولا يجدون ما يشترونها به، فيعتبر ما تخلف عن البيع من السلع دينًا على صناعة البلاد، وكلما تكرر ذلك ازدادت تلك الديون الفادحة ثقلًا ينذر البلاد بالفقر ونتائجه، ولا ينجلي قتام الأزمة عن جو البلاد إلا بتصدير هذه المصنوعات إلى بلاد أخرى، فيبحث أصحاب هذه الصناعات عن مملكة يصدّرون إليها شر ثرائهم وويلاته، وينافسهم في ذلك أمثالهم في الممالك الأخرى، لأن هذا النزاع المعاشي لم يعد مقصورًا على قطر واحد أو مملكة بعينها، بل معظم دول العالم قامت نظمها الاقتصادية على هذا الأساس، وما من دولة إلا هي تستفرغ جهدها لتخفف من أعباء الديون المثقلة بها صناعاتها بسبب اتساع هذه الصناعات، فهي تعمل لتحميل أثقالها على بلاد أخرى. وتبدو لنا هذه المباراة العالمية في صور شتى تتمثل في الأوضاع المختلفة التالية:

(1) يجتهد كل قطر في الاستيلاء على الأسواق الدولية بتخفيض نفقات مصنوعاته عن طريق تخفيض الأجور للعمال فيقلّ بذلك نصيب أهل هذه الطبقة من الدخل حتى لا يكاد يكفي لحاجاتهم الضرورية.

(2) تعمل كل دولة على سن القوانين لمنع الاستيراد من مصنوعات البلاد الأخرى لبلادها والبلاد الخاضعة لسلطانها العسكري أو نفوذها السياسي، ومنع تصدير الخامات والمواد الأولية من بلادها إلى الخارج لتحد من منافسة الدول الأخرى لها. حتى إذا اتسع الجميع في هذا الأمر أفضى بهم إلى الصراع الدولي، ولا تلبث أن تعقبه حرب دامية تأتي على الأخضر واليابس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت