قلنا فيما مضى إن الإسلام يكره كنز الأموال وادخار الغني ما لا يحتاج إليه في نفقاته. فمن كان عنده فضل مال -قليلًا كان أو كثيرًا- يدعوه الإسلام إلى أن يستعمله في الانفاق على نفسه، وإلى أن يعين به غيره ممن يحتاج إلى هذا الفضل في الحصول على حوائجه، وبهذا يستمر استعمال المال ويكون دائمًا في حركة ودوران. والذي تشتهي نفسه أن يدخر شيئًا من فضل ماله فإن المجتمع يأخذ منه.52% سنويًا ليوزع على الذين يعجزون عن كسب معاشهم، وعلى الذين لا يفي كسب سعيهم بسد خلتهم والوفاء بحاجاتهم. وما يأخذه المجتمع من فضل أموال الأغنياء يسمى في لغة الإسلام"الزكاة"أي"التطهير". وقد دبر الإسلام لأموال الزكاة أن تجمع في الخزانة المشتركة للمجتمع، وتسمى"بيت المال"، وهذه الخزانة المشتركة تكفل العون للفقراء الذين يعجزون عن كسب الرزق وتقصر أيديهم عن الحصول على نصيبهم من متاع الحياة. وهذا من أحسن أنواع الضمان الاجتماعي وأقرب السبل إلى مصلحة المجتمع، وبفضله تزول المفاسد التي قد تنشأ عن فقدان النظام التعاوني الاقتصادي.
أما ما نراه في النظام الرأسمالي من جنوح كل إنسان إلى الادخار من دخله، وإلى أن يكنز ذهبه، وإلى التهافت على إنشاء شركات التأمين على الحياة ضد عوادي الهرم وكوارث الحوادث، فذلك لأن الذين يعيشون في ظل النظام الرأسمالي مضطرون -بدافع من عوامل البيئة- إلى التفكير في سوء المصير، فإذا هرم المرء ولم يدخر من دخله شيئًا لا يجد من يكفله، ويتوقع أن يموت جوعًا. والذي له أسرة كبيرة أو ذرية ضعفاء يفكر في عاقبة أسرته وحال ذريته إذا هو أهمل جانب الادخار من دخله في أيام الكسب، وعندما تكون سوقه نافقة أو صناعته نشيطة أو أيامه سعيدة، إنه لا يشك في أن أسرته وذريته يضطرون إلى أن يتكففوا الناس ولا يجدون ما يدفعون به عادية المسغبة. وكذلك حال من لا يدخر من ماله إذا أصيب هو أو ذووه في بعض الأوقات بأمراض مضنية، أو بكساد في وسائل كسبه، أو حريق يجتاح ما امتلكه، فإنه لا يجد في النظام الرأسمالي من يمد إليه وإلى ذويه يد المساعدة والعون، ولا من ينهض بهم من تلك الكبوة. وإن فقر الناس وضيق معايشهم يضطرهم لأن يعملوا في مصانع الأغنياء وشركات الرأسماليين كالبهائم المذللة والأقنان المستعبدين. ينزلوا على شرائطهم ويكتفون بالأجور الزهيدة المحدودة. وبمَ يطفئون لهب الجوع إن لم يقبلوا ذلك، وبماذا يكسون أجسامهم النحيلة؟ ثم انظر إلى ما جرّه النظام الرأسمالي من قسوة القلوب تجاه الشقاء الإنساني؟ إنك ترى أكداس المنتجات وأكوام المصنوعات تكاد تكون باثرة لضعف قوة الجمهور على الشراء ولضيق أيدي عامة الناس. وكما أتلف الرأسماليون الأطنان من حبوب الغذاء ليحافظوا على مستوى الأسعار بينما ملايين الفقراء يتضورون جوعًا وكانت بطونهم أولى بها، وهذا من دلائل الفساد الذي قامت على أسسه ومبادئه قواعد النظام الرأسمالي في العالم ولفقدان الضمان الاجتماعي الذي يكفل سد حاجات الفقراء. ولو أن النظام الاقتصادي كان كفيلًا بحاجات الناس لما وصل الفقر المدقع إلى ما وصل إليه بين الجماهير، بينما الغني قد جاوز حدود البطر في طائفة الأغنياء. أما لو ارتفع المستوى الاقتصادي لسواد الأمة، وانتعشت قوة الجماهير على الشراء، لأورقت أشجار المعاش اليابسة، ولفاض بالبركة والخير معين الحياة، ولنشطت الصناعات والحرف، وحينئذ تنفق أسواق التجارة، ويعم الخير أغنياء الناس وفقراءهم على السواء.