الصفحة 20 من 25

فكل نفقة ينفقها المرء فيما يفسد الأخلاق أو يضر بالمجتمع فهي محرمة عليه. مثال ذلك أنه لا يبيح لأحد أن يستعمل ماله في الميسر، ولا يحيز له شرب الخمر واستهلاك ماله فيه، ولا يرضى له أن يرتكب الزنا ويبذل ماله في مهور البغايا، ولا يحل له أن يضيع وقته وماله في الغناء وآلات الموسيقى ومجالس الرقص واللهو والخلاعة والاستهتار. وليس للمسلم أن يلبس الحرير، أو أن يتزين بالحلي من الذهب والجواهر، أو أن ينفق من ماله على تزيين جدران بيته بالصور والرسوم التي يتغالى بها المترفون. وبالجملة فإن الإسلام قد أقام سدًا منيعًا بين المرء وما ينفقه على شهواته، ومنعه من السرف في الترف. والذي أباحه الإسلام للإنسان من إنفاق المال والتصرف في الثروة فقد اشترط فيه الاعتدال والتوسط في المعيشة، ورغب في نظافة الزي، ولم يحل بين الإنسان وبين أن يعيش عيشة طيبة معتدلة. ومن كان لديه فضل مال بعد استيفاء حوائجه فقد زين له الإسلام أن يكون من أهل الفضل المنفقين في سبيل الخير والصالح العام. وإن سبل الخير في نظام الإسلام واسعة وكثيرة: فلينفق على الذين أخطأهم الحظ فلم ينالوا من نصيبهم من مرافق الحياة وضرورات العيش. وقد عدّ الإسلام ذلك من أسمى الأخلاق، وجعله مثالا للناس عاليًا، ودعا إليه في كل مناسبة وحينما تعمّ المجتمع البشري هذه السماحة ويكون هذا السمو الخلقي هو الغالب عليه، يعد فيه أشرف المجتمع وأكرمه من ينفق من كسبه على نفسه وعلى من يجاوره، ولا ينظر فيه بعين الاستحسان والتكريم إلى الذين يدأبون على ادخار الأموال والاتساع في الثروة، ولا يصرفون فضول أموالهم إلا في الاستثمار والتزيد.

وعلى كل حال لا يكفي للخلاص من شح الأنفس وشرهها إلى المال أن يعيش أصحابها في بيئة المجتمع العالي، وأن يعالجوا الأثرة بتعاليم الأخلاق وحدها، إذ لا بد أن يبقى بعد ذلك عدد غير قليل من الناس يحبون أن يستعملوا فضل أرباحهم فيما يدر عليهم أرباحًا أخرى كثيرة، لذلك أقام الإسلام للتصرف في فضول الأموال حدودًا: فحرّم على الغني صاحب المال الفاضل أن يرابي بماله فمن استقرض من موسر دينًا لينفق منه على نفسه من عوز أو ليستعين به على الرزق والكسب، فليس للمقرض أن يستوفي من المستقرض أكثر من رأس ماله الذي أداه إليه حتى لو كانت الزيادة بقدر حبة الخردل. فانظر كيف هدم الإسلام بهذا المبدأ الصرح الأول للرأسمالية الغاشمة التي يمتص فيها الرأسمالي الغني دماء من حوله من الفقراء وأواسط الناس ثم يتركهم أجسادًا بالية مصابة بفقر الدم. أما إذا أراد الغني أن يصرف فضل ماله في تجارة أو صناعة يباشرها بنفسه أو يتعاون فيها مع غيره من التجار وأرباب الصناعة مشتركين في الغنم والغرم، فالإسلام يحل ذلك وينير سبله. وما قد يصيبه هؤلاء التجار وأهل الصناعات من مال كثير وثراء جم فإن للإسلام طريقًا أخرى في إصلاح ما ربما يترتب على كثرته من فساد فيداوي أدواءه بأدويته الناجعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت