إن الإسلام أراد أن يزيل هذه المفاسد كلها بفضل الزكاة وبرعاية بيت المال (الخزانة المشتركة) : فإذا أصيب عضو من أعضاء المجتمع بالفقر بعد الاستغناء، فبيت المال الإسلامي يمد إليه يد العون كما كان يستمد منه العون من قبل، ولذلك فإن العاملين في النظام الإسلامي يعملون وتجود أنفسهم بفضل أرباحهم في سبيل الخير وهم لا يخافون الفقر ولا يجزعون للطوارئ، لأنهم يعلمون أن لمن يحتاج نصيبًا في بيت المال إذا احتاج إليه، وهو يغنيهم عن صناديق التوفير وعن شركات التأمين على الحياة ضد الفقر والعوز والهرم. وإذا أدرك الإنسان الموتُ وهو في ظل نظام الإسلام الاقتصادي، فإنه يموت وهو لا يحمل همّ أطفاله وذريته، لأنه يعلم أن بيت المال الإسلامي يكفلهم. فبيت المال في الإسلام شركة إسلامية كبرى للتأمين على الحياة ضد الكوارث والعوادي من الفقر والهرم والحريق. والنظام الإسلامي لا يوجد فيه رأسماليون عالميون يشتطون على عمال مصانعهم في شروط العمل ويقترون عليهم في الأجور، لينافسوا رأسماليين آخرين في بلاد أخرى، بل العمل في ظل الإسلام قائم على العدل والاعتدال، ولا يخشى العامل فيه أن يظمأ في مجتمعه الإسلامي أو يضحي أو أن يجوع فيه ويعرى.
وليكن على ذكر منك أن بيت المال الإسلامي يتخذ من الوسائل الاقتصادية ما يجعل الذين قعد بهم العجز عن اكتساب ما يسدون به رمق حياتهم ويصلحون به حال معيشتهم قادرين على أن يشتروا من متاع الحياة ما يكفي حاجاتهم. وهكذا لا يحدث في النظام الإسلامي ما يخل بالتوازن بين الإنتاج والاستهلاك. ولذلك كانت البلاد التي يسود فيها نظامنا لا تحتاج إلى تصدير فضل منتجاتها إلى بلاد أخرى لتفادي الأزمات المالية وتتحامى الضائقة في المعايش كما هو حاصل الآن في البلاد ذات الصناعات الكبرى التي لا تجد من سكانها من يستوفي شراء جميع مصنوعاتها ومنتجاتها، وليست الزكاة وحدها العامل القوي في الإسلام لتوزيع الثروة، بل هناك عامل آخر كبير وهو نظام المواريث. فإذا نظرت إلى القوانين الأخرى غير الإسلامية للإرث ألفيتها تنزع إلى مبدأ ادخار المال وتجميعه. ولو أن رجلًا ادخر أموالا عظيمة ومات عنها لوجدنا في غير النظام الإسلامي ما يشجع على بقاء ذلك المال مجتمعًا كما كان أو قريبًا مما كان، وأن تستمرّ الثروة المدخرة متجمعة غير موزعة. أما الإسلام فقد سن نظامًا حاسمًا يقضي بأن يوزع بين الورثة كل المال الذي كان الموروث قد جمعه وادخره، فإن لم يكن للموروث أقارب من عصبته متلاحمون قسم ماله على الأباعد من ذوي رحمه، فإن لم يكن له من الورثة عصبة ولا ذوو أرحام فليس له أن يتبنى، وإنما تئول تركته إلى بيت المال فتشترك فيها الأمة كلها. إن المال في نظام الإسلام -قليلًا كان أو بالغًا مئات الألوف من الملايين -يئول أمره إلى التجزئ ولا يلبث أن ينقسم إلى مقادير قليلة بعد ثلاثة بطون من عمود النسب، أي أن صائر لا محالة إلى التجزئ العام والتوزيع الشامل.
ومن تأمل في نظام الإسلام الاقتصادي الذي وصفناه إجمالا يبدو له أنه قد أزال كل ما في الملكية الفردية من المفاسد الطارئة عليها بعوامل الشر. فكيف ينبذ العقلاء هذا النظام وراء ظهورهم وقد رأوه كفيلا بحاجات المجتمع البشري؟ بل كيف يوجد من يختار عليه الأنظمة المصطنعة التي جنح إليها الشيوعيون والفاشيون مع ما تنطوي عليه من فساد عظيم وشر مستطير، وهي ما أزالت شرًا إلا وقد أحلت محله شرًا غيره، ولا رأبت صدعًا إلا أحدثت ثأيا في مكانه من المجتمع البشري؟!