الْمِيزَانَ) (الرحمن:9) . في جو تتخلله نسمات الرحمة الإلاهية السائدة والسائرة في المخلوقات وعبرات الإنسجام بين القوانين التي تضبطها وثوابت الحق الذي يحددها وشمول العدل فيها وضمانات الاستقرار من خلالها، تعبر هذه الآيات عن وحدة المنظومة التشريعية التي تضبط الكون والإنسان وخصائصها. فبما أن للكون قانونه يوفر له التوازن ويضمن له الثبات ويحقق فيه الإنسجام، كذلك جعل سبحانه للإنسان الذي هو جزء لا يتجزء من الكون قانونا لينسجم مع أصله الذاتي والكوني فيحقق العدل ويضمن السلام.
يعتبر القرآن دستور الله للبشرية لكي تقوم بالعدل الإلاهي في مملكته الأرض فتعيش في سلام مع فطرتها وانسجام مع الكون. وبما أن الكون كله خاضع للميزان الإلاهي، ولكي يتحقق التوازن الشامل، على الإنسان أن يستمر ويمشي على النهج الكوني فيتبع بدوره الميزان الذي وُضِعَ له، وإلا فإنه لن يعتبر طاغوتا طغى عن القانون الإلاهي الشامل فحسب بل سيحدث خللا في التوازن الكوني بكامله، قال تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ) (المؤمنون:71) ، وقال أيضا: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم:41) .
إذن، إذا كان الهدف من القرآن هو تحقيق التوازن الكوني الشامل عبر الإنسان، ما هي خصائصه الذاتية وميزاته الموضوعية؟
ميزاته الموضوعية:
-التكريم:
بداية، يعتبر القرآن تكريما منه عز وجل لذلك المخلوق الذي أصل خلقته علقة مذمومة، قال تعالى: (اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق:5) .
ومن الإيحاآت التي توحي بها خلقته/العلقة وعلاقتها بالقرآن أن العلقة مرتبطة كونيا بالرحم ارتباطا حيويا ومصيريا، فمنه تتغدى وفي حماه تعيش ومن خلاله تخرج للوجود بعد أن تتشبع ويكتمل بناءها وتستكمل مقوماتها الذاتية لتستعد لوضيفتها بل تعتبر سلامة نضجاها رهينة بسلامة ذلك الإرتباط. كذلك، وحين تشتد الأحوال وتشق الأتعاب ويتخلى