وقال عن كثير من الكفار بأنّهم كانوا: {يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} ، {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} ، و {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ} ، وكل ذلك لم ينفعهم لأنّهم نقضوا أمرًا بينًا ظاهرًا أقام الله عليه حجّته البالغة وأرسل من أجله جميع رسله، ولو كان خطأهم وانحرافهم حصل في أمر غامض ملتبس وكان عندهم أصل الإسلام لكان حالهم فيه على غير هذا [10] .
والكلام في هذا الباب يطول، وقد فصّل فيه أهل العلم، ولنا فيه مُصنَّف سمّيناه"الفرق المبين بين العذر بالجهل والإعراض عن الدين"- يسّر الله طبعه - لكن في هذا القدر في هذا المحل كفاية لمن أراد الهداية.
[9] قد عرفت أنّ هؤلاء العساكر الذين تواطئوا مع ساداتهم على التشريع وحرسوا قوانينهم وتشريعاتهم كانوا بذلك مشركين عابدين لغير الله عزّ وجلّ قد اتّخذوا أولئك المشرِّعين أربابًا من دون الله وقد تقدّمت بعض الأدلّة على ذلك.
[10] يدل على ذلك حديث الرجل الذي جاء الخبر بأنه لم يعمل خيرًا قط - إلا التوحيد - فأوصى أولاده عند موته أن يحرقوه ثم يذروا رماده في البحر وقال لئن قدر الله عليّ ليعذِّبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين فلما مات بعثه الله وقال له: لِمَ فعلت هذا؟ قال: خشيتك يا رب. فغفر له ... وأصله في البخاري وزيادة؛"لم يعمل إلا التوحيد"مروية بإسناد صحيح عند أحمد، وفيه دلالة على العذر بالجهل في باب الأسماء والصفات، لأنّ ذلك لا يُعرف إلاّ عن طريق الرسل، فهذا الرجل جهل سعة قدرة الله عزّ وجلّ وظنّ أنّ وصيّته لأولاده ستنجيه من عذاب الله فغفر له ذلك الجهل، بخلاف التوحيد الذي هو حق الله على العبيد والذي نصب الله له الأدلة العقلية والكونية وأقام عليه حجج الميثاق والفطرة وأكملها بالحجّة الرسالية لئلاّ يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل.