الصفحة 6 من 31

إن هذه الحياة مليئة بألوان وأنواع الفتن والشهوات. فكم أردت لها من قتيل، وكم أذهبت من صواب حازم لبيب، وكم ممن كان يشار إليه بالبنان هوى - بسببها - في مستنقع الخطيئة السحيق.

إنها مرحلة ابتلاء وامتحان، وصبر ومصابرة {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [الأنفال: 37] ، كما أنها أيضا مرحلة إعداد وتنقية لنفس المؤمن لتؤهله لدخول دار النعيم. تلك الدار التي لا يدخلها إلا أرباب النفوس التقية النقية. قال - صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة» [1] .

إن دارًا زينها الله بيديه، وجملها وحبرها فكان فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، إن تلك الدار لا يمكن أن تكون كلأً مباحًا لكل نطيحة ومتردية من بني آدم، كلا، إنما هي لأولئك الذين سمت نفوسهم إلى ربهم، فأحسنوا العمل في الدنيا، وأدأبوا أنفسهم في خدمة سيدهم - جل شأنه - ومع ذلك فهم في خوف دائم لا ينقطع، قلوبهم كقلوب الطير لا يأمنون مكر الله، بل هم بين خوف ورجاء. إن سمعوا وعيدا ارتعدت فرائصهم، واضطربت جوارحهم فرقًا وخوفًا من عذاب ربهم {إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَامُونٍ} [المعارج:28] . وإن سمعوا وعدا كادت أرواحهم أن تخرج من أجسادهم شوقًا إلى موعود الله ودار كرامته.

تلك هي نفوس أهل الإيمان: العارفين بالله، أولئك هم أولياء الله

(1) رواه الترمذي من حديث ابن عباس، كتاب تفسير القرآن وصححه الألباني في (صحيح الترمذي) برقم (3092) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت