أليس قد قال الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 7، 8] ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إنما ذلك العَرْضُ، وليس أحدٌ يناقش الحساب إلا عُذِّب» .
والمعنى في هذا الحديث: أنَّ مِنَ الناس مَنْ يحاسب محاسبة عسيرة، بحيث يناقش في الحساب، أي يستقصى في المطالبة بالجليل والحقير، والصغير والكبير، ولا يسامح في شيء من ذلك، فيكون مصيره العذاب والهلاك، وهؤلاء هم المكذبون المعرضون. أما المؤمنون المتقون فإن محاسبتهم تكون بعرض أعمالهم عليهم حتى يعرفوا منَّة الله عليهم في سترها عليهم في الدنيا وفي عفوه عنهم في الآخرة.
نَبَّهَ لهذا المعنى الحافظ القرطبي رحمه الله في كتابه «المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم» [1] .
ومما يوضحه - أيضًا - ما خرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يدنى المؤمن من ربِّه يوم القيامة، حتى يضع عليه كَنَفَهُ، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي رب أعرف [وفي رواية البخاري: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك] قال: فإني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته. وأما الكفار والمنافقون، فينادى بهم على رءوس الخلائق الذين كذبوا على الله، [وفي رواية البخاري: فيقول الأشهاد: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى
(1) (7/ 157 - 158) وانظر: «فتح الباري» (11/ 402 - 403) .