وقد يطلع الله رسله على شيء من الغيب ليكون حجة لهم ودليلًا على صدق نبوتهم، قال تعالى: (( قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدًا.عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدًا.ليعلم أن قد
أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددًا )) ]الجن:25-28[.
قال ابن الجوزي - رحمه الله: (((قل إن أدري ) )أي ما أدري. (( أقريب ما توعدون ) )من العذاب (( أم يجعل له ربي أمدًا ) )أي غاية وبعدًا، وذلك لأن علم الغيب لله وحده.
(( فلا يظهر ) )أي:فلا يطلع على غيبه الذي يعلمه أحدًا من الناس (( إلا من ارتضى من رسول ) )لأن من الدليل على صدق الرسل إخبارهم بالغيب.
والمعنى: أن من ارتضاه للرسالة أطلعه على ما شاء من غيبه.وفي هذا دليل على أن من زعم أن النجوم تدل على الغيب فهو كافر) (1) اهـ.
وقال القرطبي - رحمه الله:(أي لا يعرف وقت نزول العذاب ووقت قيام الساعة
إلا الله، فهو غيب لا أعلم منه إلا ما يعرفنيه الله)إلى أن قال:(قال العلماء رحمة الله عليهم: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوتهم.
وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى وينظر في الكتب ويزجر الطير ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه، بل هو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه)اهـ (2) .
وقال ابن كثير - رحمه الله: (يقول تعالى آمرًا رسوله( أن يقول للناس إنه لا علم له
بوقت الساعة، ولا يدري أقريب وقتها أم بعيد)إلى أن قال في معنى قوله: (( إلا من ارتضى
من رسول )): (وهذا يعم الرسول الملكي والبشري) اهـ (3) .
(1) :"زاد المسير" (8/385) .
(2) :"تفسير القرطبي" (19/ 27-28) .
(3) :"تفسير ابن كثير" (4/432-433) .