فلو كانت إمامته من أركان الدين لم يتوانَ عليٌّ رضي الله عنه في طلبها، إذ الله تعالى قد تكفل بحفظ الدين، فليست العبرة بالكثرة ولا بالقلة، ولكن الحقيقة التي لا تخفى أنه بايع طائعًا مختارًا عالمًا، وشارك معهم في جهادهم وفتوحاتهم ونشرهم للإسلام.
وحرب أمير المؤمنين عليٍ رضي الله عنه مع معاويةَ وطلحةَ والزبيرِ رضي الله عنهم لم تكن من أجل الإمامة، ولا شك أن عليًا رضي الله عنه وطائفته كانوا أولى بالحق من طائفة معاوية رضي الله عنه، وطائفة معاوية هي الطائفة الباغية، ومع ذلك وصفهم الله جميعًا بالإيمان، كما قال سبحانه: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات:9] فسمى الله الفئة الباغية مع ذلك مؤمنة كما هو ظاهر في الآية ..
فالقتال الذي حصل بينهم إنما هو قتالٌ بسبب التأوُّلِ في دمِ عثمانَ رضي الله عنه، ولم يكن بسبب العداوة في الدين، فأمير المؤمنين عليٌّ رضي الله عنه كان يقول: لا بد من مبايعة جميع المسلمين ثم بعد ذلك نقتص من قتلة عثمان، ومعاوية كان يقول: لا نبايع إلا بعد الاقتصاص من قتلة عثمان، فهذا هو سبب قتالهم [1] .
(1) تاريخ الطبري: (4/ 437) ، البداية والنهاية: (7/ 239) ، وانظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل: (4/ 160) ، مجموع الفتاوى: (25/ 72) .