الصفحة 8 من 80

والدليل قوله تعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا [1] وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ [2]

(1) فائدة: المراد آمنوا بقلوبهم وألسنتهم وعملوا الصالحات بقلوبهم وجوارحهم فإنه لا إيمان بلا عمل لأن الإيمان بالقلب واللسان والجوارح فإن الإيمان باطن والقول والفعل والحال أدلة ظاهرة عليه.

والعمل الصالح: هو فعل الطاعات وترك المنهيات على وفق الشرع وعلى وجه الإخلاص لله تعالى والتواصي بالحق والتواصي بالصبر من العمل الصالح ولكن لعل في تخصيصهما بالذكر تنبيهًا على العناية بهما لأن كثيرين من الناس يتهاونون بهما أو لأنهما من أسباب ظهور الحق لمبتغيه وهداية عباد الله تعالى إليه وتثبيت الداعي والمهتدين عليه.

(2) فائدة: في المراد بالحق: أصل الحق المطابقة والموافقة - في الواقع - فهو كل موجود محقق أو ما سيوجد لا محالة فهو مالا يسع إنكاره ويلزم إثباته والاعتراف به لقيام الدليل والبرهان عليه، ويطلق الحق على أوجه:

الأول: الحق في الأسماء الحسنى معناه الموجود الواجب الوجود بالبقاء الدائم الجامع للخير والمجد والمحامد كلها والثناء الحسن بالأسماء الحسنى والصفات العلى، قال تعالى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الحَقِّ أَلَا لَهُ الحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الحَاسِبِينَ} ، وقال تعالى: {َذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} .

الثاني: لما وجد بمقتضى الحكمة ولهذا يقال فعل الله تعالى كله حق قال تعالى: {مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} .

الثالث: الاعتقاد المطابق لما عليه الشيء نفسه، كما قال تعالى: {فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .

الرابع: الفعل والقول الواقع بحسب ما يجب وبقدر ما يجب وفي الوقت الذي يجب، قال تعالى: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} ، وقال تعالى: {وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} .

الخامس: وصف دين الله تعالى وشرعه وأمره كما قال تعالى: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} ، وقال تعالى: {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} .

والإيمان الكامل بالله تعالى يتضمن أنواع التوحيد الثلاثة، فإنه يتضمن:

أ ... الإقرار بوجود الله جلَّ وعلا واعتقاد تفرده في ملكه وتدبيره بأفعاله.

ب ... وكماله في ذاته وأسمائه وأوصافه، وتنزهه عن كل عيب ونقص ومماثلة الخلق فيما هو من خصائصهم. وتصديق أخباره والإذعان لأحكامه.

ت ... وعبادته وحده لا شريك له وترك عبادة من سواه، والبراءة من كل معبود سوى الله، وهذا التوحيد هو الحكمة من خلق الجن والإنس وهو الذي خلقت الجنة والنار من أجله وهو خلاصة الرسالات الإلهية وزبدة الكتب السماوية. والغاية من فرض التعليم، والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، قال تعالى: {ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} الآية، وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ، وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} الآية، وقال سبحانه: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} .

وأخبر سبحانه أن الأمر بعبادة الله وحده مفتتح دعوة كل رسول لقومه، كما قال نوح لقومه: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ} ، ولما بعث الله تعالى خاتم أنبيائه ورسله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قال لقومه: «قولوا لا إله إلا الله» ، وقال - صلى الله عليه وسلم: «اعبدوا الله واتركوا ما يعبد آباؤكم» ، ولما بعث معاذًا رضي الله عنه إلى اليمن قال له: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» ، وفي رواية: «أن يوحدوا الله» .

وهذا يبين عظمة شأن هذا التوحيد الذي هو إفراد الله تعالى بالإلهية والعبادة وترك الشرك به - وضرورة معرفته - وصرف الهمة إليه والعمل به والتمييز بينه وبين ضده - الذي هو الشرك -، وأن هذا التوحيد أصل الدين، وأساس الملة، وقاعدة الشريعة، وأول فرائض الدين وأعظم واجب على المكلفين، ومن شروط قبول العمل من المكلفين فلا يدعى إلى شيء قبله ولا تصح العبادة إلا به، والموحد أسعد الناس بالشفاعة، ولا يخلد في النار ولو دخلها، ومنتهاه الجنة ولو تأخر عنها.

ومما يبين أهميته وفضله - زيادة على ذلك - أمور:

أولًا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام بمكة عشر سنين يدعوا إليه؛ فلم تفرض عليه فريضة سواه والدعوة إليه.

ثانيًا: ثم بعد فرض الفرائض كان جل اهتمامه - صلى الله عليه وسلم - وأكثر بيانه وعنايته بالتوحيد بالأمر بالإخلاص لله تعالى والنهي عن الشرك والتحذير من: أنواعه، وذرائعه، ومواطنه، وأهله؛ حتى ساعة وفاته كان - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، يحذر ما صنعوا» ؛ لأن الغلو في الصاحين، وبناء المساجد على قبورهم من أعظم وسائل الشرك المضاد للتوحيد والمحبط للعمل.

ثالثًا: أنه لا يكف عن قتال الكفار والمشركين - مع القدرة - حتى يقولوا لا إله إلا الله - أي لا معبود بحق إلا الله ويخلصوا العبادة لله - فلا بد أن يقروا به إقرارًا يقتضي العمل بمقتضاه، وحتى يعطي أهل الكتاب والمجوس الجزية عن يد وهم صاغرون.

رابعًا: أن من اعتقد التوحيد وعمل به ومات متمسكًا به دخل الجنة. ولو لم يصلي لله ركعة إذا كان لم يتمكن منها بين إسلامه وموته لكونه أسلم ثم مات قبل دخول وقتها كما في قصة صاحب الغنم في غزوة خيبر فإنه آمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قاتل واستشهد في أول المعركة ولم يسجد لله سجدة لأنه قتل بعد إسلامه بوقت قصير قبل دخول وقت الصلاة وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم: «أنه من أهل الجنة» ، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما.

فالدعوة إلى التوحيد قبل كل أمر، ومع كل أمر، ولا يجوز أن تكون بعد كل أمر. ويدل على ذلك أن رسل الله عليهم الصلاة والسلام لما بعثهم الله إلى أقوامهم عالجوا أمورًا متنوعة من مشاكل الأمم لكن كانت العناية بالتوحيد قبلها ومعها لا بعدها، فمثلًا:

1 -... نوح عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم، يقول لهم: { (( (( (( (( (( (اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (( (} ويأبون معاندين قائلين: { (( تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا (( (( (( (( } الآيات، حتى أخذهم الطوفان وهم ظالمون وأنجاه الله وأصحاب السفينة.

2 -... وإبراهيم عليه السلام يقول لقومه: { (( (( (( (( (( (اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ (( (( (( (} الآيات، ويردون دعوته قائلين: { (( (( (( (( (( وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (( (( } ، فأنجاه الله وأصلح له ذريته وجعل النبوة والكتاب في ذريته وأتاه الله أجره في الدنيا، وإنه في الآخرة لمن الصالحين.

3 -... شعيب عليه الصلاة والسلام كان مما دعا قومه إليه الإصلاح الاقتصادي وكانت الدعوة إلى التوحيد مفتتح دعوته وطول مدة دعوته حتى حكم الله بينه وبين قومه.

4 -... ولوط عليه الصلاة والسلام كان من أسس دعوته الدعوة إلى الانضباط الأخلاقي الفطري الشرعي ونهى عن الشذوذ الجنسي وكانت الدعوة إلى التوحيد أول مهماته ومدة حياته.

5 -... وموسى عليه الصلاة السلام كان من أهم مطالبه من فرعون رفع الجور والظلم عن بني إسرائيل وكانت الدعوة إلى التوحيد أظهر شيء في دعوته وأطول ما كان من مناظراته.

وخاتم النبيين و المرسلين محمد - صلى الله عليه وسلم - أغرى قومه في استرداد المكانة السياسية وإصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وكانت الدعوة إلى التوحيد أول وأوجب شيء دعا إليه، وأعظم ما جاهد عليه وأظهر شيء عرف به وتصلب فيه لأنه أعظم موجب للعزة والكرامة والسعادة في الدنيا والآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت