الصفحة 3 من 80

أنه يجب [1] علينا تعلم

أربع مسائل [2] : الأولى: العلم [3]

(1) فائدة: الوجوب حكم شرعي لا بد أن يدل عليه دليل، وقد أخذ الشيخ رحمه الله تعالى وجوب العلم بهذه المسائل الأربع من أدلة كثيرة، خاصة وعامة، كلها متفقة على أنه لا بد من العلم بالله تعالى، وبحقه على عباده وأداء ذلك الحق الذي شرعه إليه على الوجه الذي يرضيه، وهو ما شرعه وعلى الوجه الذي بينه نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومن تمام ذلك هداية عباده إليه بتعريفهم بهم تبارك وتعالى وبحقه عليهم ودعوتهم لأداء حقه بذكر فضله وجزائه بثواب المطيعين وعقاب العاصين في الدارين.

ولن يقوم عبد بذلك إلا بالصبر على الأذى فيه فدل ذلك على وجوب العلم، والعمل، والدعوة، والصبر، فإن ما لا يتحقق الواجب أو يتم إلا به فهو واجب، وهذا توجيه وجوب تعلم هذه الأربع مسائل.

(2) فائدة: إن هذه المسائل تشمل الدين كله؛ فإنها يتحقق بها التوحيد لله تعالى في القصد، والاستقامة على الشرع، والمتابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في الكيفية. فتتوقف صحة العمل وقبوله عليها، وهي من أسباب التثبيت في القبر والنجاة من أهوال يوم الحشر، فهي جديرة بالاعتناء لعظم نفعها؛ بل لشدة الضرورة إليها في الدنيا والبرزخ والآخرة.

(3) فائدة: العلم: ما قام عليه الدليل، وهو: إدراك العلوم، أي: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، ويراد به هنا العلم الشرعي وهو العلم النافع الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الهدى ودين الحق.

فالعلم شرعًا: معرفة الهدى - أو الحق - بدليله، وهو المراد بالعلم عند الإطلاق شرعًا - أي: في القرآن والسنة ولسان السلف الصالح -، والعلم الشرعي قسمان:

أ- فرض عين: وأصله ما ضمنه المؤلف - رحمه الله - المسألة الأولى - وهو ما لا يسع المكلف جهله - ففرض العين واجب على الذكر والأنثى والحر والعبد - من المكلفين - فلا يعذر أحد بالجهل به فإنه من مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «طلب العلم فريضة» ، وذلك: كمعرفة أركان الإسلام وأصول الإيمان، وحقيقة الإحسان، والإيمان والتصديق بكل ما أخبر الله به ورسوله إجمالًا. والعلم بما يجب من كيفيات العبادات وشروطها وواجباتها وما يبطلها وما يجب اجتنابه من المحرمات وما يحتاج إليه من المعاملات، ونحو ذلك مما لا يسع المسلم جهله، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب عليه العلم به.

ب- أما القدر الزائد من العلم على ما يحتاج إليه المكلف فهو من فروض الكفايات وجليل الأعمال الصالحات، فالعلم الشرعي هو ميراث النبوة ووسيلة الجنة وسبيل الاصطفاء وآية الخير والاهتداء، فأسعد الناس دنيا وأخرى أطلبهم له وأحفظهم له وأفقههم فيه وأصوبهم وأخلصهم عملًا به وهدى إليه وصبرًا لله تعالى وبه عليه وألزمهم له حتى لقاء الله تعالى عليه. قال الله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ... إلى قوله سبحانه: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} ، وقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ} ، وقال سبحانه: {يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ} الآية.

وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين» ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: «إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يوّرِثُوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» .

والنصوص في فضل العلم الشرعي والبشارة لأهله العاملين به بعظيم الأجور ورفيع الدرجات وعلي المقامات في الدنيا والآخرة كثيرة لا تحصى، وما ذاك إلا لأن العلم له ثمرات كثيرة وعواقب مباركة على أهله والمجتمع الذي يظهر فيه.

فبه يعرف الله وحقه وفضله، فيخشى ويتقى، ويعبد ويخلص له في القصد، وبه يعرف النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهديه ورحمة الله تعالى به للناس، وبه يعرف حسن الإسلام، وفضل الله به على الخاص والعام، وتؤدى الحقوق إلى أهلها، وبه يعرف الحلال من الحرام، وبه توصل الأرحام، وبه تتقى الآثام، وبه يحفظ الإسلام ويظهر، وبه تصان الحرمات ويهتدى إلى الكرامات.

وهو نعم الدليل على العمل الصالح، والمرغب به بذكر الفضل، والحامل على الثبات والدوام عليه، وخير معين على الإخلاص لله عز وجل فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت