وبالقدر خيره وشره [1] .
(1) الركن السادس: الإيمان بالقدر خيره وشره:
أ ... تعريف القدر:
القدر لغةً: هو الإحاطة بمقادير الأمور. وشرعًا: هو سبق علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها على ما هي عليه، ثم كتابته تعالى لذلك ومشيئته لما كان أن يكون، ولما لا يكون أن لا يكون، وخلقه لكل مخلوق.
ب ... حقيقة الإيمان بالقدر:
الإيمان بالقدر هو الاعتقاد الجازم واليقين التام بأنه ما من شيء إلا وقد علمه الله وكتبه في الكتاب السابق وشاء وجود الموجودات وخلقها على وفق ما سبق به علمه وجرى به قلمه واقتضته حكمته من ترتيب المسببات على أسبابها، والممتنعات لوجود موانعها فيتحقق الإيمان بالقدر بالإيمان بدرجاته الأربع، وهي:
1 -... الإيمان بعلم الله السابق بما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون ويدخل في ذلك أفعاله تعالى وأفعال عباده قال تعالى: { (( (( اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (( (( } .
2 -... كتابة الله تعالى لكل ذلك العلم في اللوح المحفوظ، قال تعالى: { (( (( (( شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ(52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (( (( } ، وقال سبحانه: { (( (( (( تَعْلَمْ أَن اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (( (( } ، وقال - صلى الله عليه وسلم - مخبرًا عن ربه تبارك وتعالى: «وكتب في الذكر كل شيء ... » الحديث.
3 -... مشيئة الله تعالى النافذة وإرادته الشاملة، قال تعالى: { (( (( (( شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ (( (( (( (( } ، وقال تعالى: { (( (( (( شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (( (( (} .
4 -... خلقه تعالى لكل شيء فلا خالق غيره كما لا رب سواه، والدليل قوله تعالى: { (( (( خَالِقُ كُلِّ (( (( (( } ، وقوله تعالى: { (( (( (( (( كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ (( (( (( (( (( } .
فلن يؤمن أحد بالقدر ولن يجد حلاوة الإيمان حتى يؤمن أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما فعله الناس فهو مقضي وأن كل حادثٍ وكل ما فعله الناس فهو مقضي قد فرغ منه، لقوله - صلى الله عليه وسلم: «جفت الأقلام - وفي مطوية الصحف -» الحديث.
وقد دل على خلق الله تعالى لأفعال العباد أدلة، منها:
1 -قوله تعالى: {اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} فلا يخرج شيء عن خلقه سبحانه.
2 -قوله تعالى: {وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} ، فأخبر تعالى عن خلقه لأعمال عباده خيرها وشرها. ووجه ذلك أن أعمال العباد ناتجة عن إرادات منهم وقدر وقعت بها تلك الأعمال والله تعالى خالق تلك الإرادات والقدر وخالق السبب خالق للمسبب، ولا ينافي ذلك جزاءهم عليها فإنهم إنما يجزون على استعمالهم ما خلق الله فيهم من الإرادات والقدر فإن استعملوها في الطاعة كانوا أهلًا للثواب، وإن استعملوها في المعصية كانوا مستحقين للعقاب، فأعمالهم من الله خلقًا وإيجادًا، ومنهم تسببًا وكسبًا، وثوابهم عليها فضل من الله، وعقابهم عدل منه سبحانه في مستحق العقاب ولا يظلم ربك أحدًا.
وأفعال العباد كلها مقدورة، أي: معلومة لله تعالى بعلمه السابق ومكتوبة في اللوح المحفوظ ولم تقع منهم إلا بمشيئة الله وخلقه لكن فرق بين المحمود منها والمذموم فلكل فعل حكمه ولكل عملٍ جزائه:
أ- فما وافق الشرع فهو طاعة لله تعالى إما واجبة أو مستحبة والله تعالى يحبها ويرضاها ويحمد فاعلها ويثيبه عليها وما خالف الشرع فهو معصية محرمة يسخطها الله تعالى ويسخط على فاعلها عمدًا واختيارًا ويذمه ويعاقبه.
فالقدر كله خير باعتبار أنه من الله تعالى فهو حق ولحكمة وهو دائر بين الفضل والعدل.
وأما الشر في القدر فباعتبار شؤم قصد العبد المخالف للشرع، وما يصيبه من ضرر وعذاب بسببه، فالشر ليس في القدر والقضاء فإنهما فعل الله تعالى وكلاهما حق وحكمة، وإنما الشر في المقدور والمقضي المخالف للشرع فالجزاء عليه حق وعدل فإن عفا الله تعالى عن العاصي فذلك فضل، وإن عاقبه فهو عدلٌ، فإن قدر الله تعالى حقٌ واقعٌ موقعه بحيث لا يصلح غيره بدلًا عنه، والله تعالى هو العليم الحكيم الذي يضع الأمور مواضعها اللائقة بها ولا يظلم ربك أحدًا، ولا يتصرف تعالى سفهًا، وكل من اتهم الله تعالى في قدره وقضائه فقد طعن في علم الله تعالى وحكمته ورحمته، وطعن في ربوبيته وتدبيره لملكه، ومن أدلة ذلك قوله تعالى: { (( (( أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(22) لِكَيلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (( (( } ، وقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} .
فالله تعالى قدر المقادير فجعل لكل شيءٍ ما يقابله وذلك هو ترتيب المسببات على أسبابها وإيجاد المتضادات لغايتها وحكمها، قال - صلى الله عليه وسلم: «ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله» ، وقال - صلى الله عليه وسلم: «الدعاء والبلاء يعتلجان بين السماء والأرض فيغلب الدعاء البلاء» الحديث.
فالداء والدواء والدعاء والبلاء ونحو هذه الأمور كلها مما علمه الله تعالى وكتبه وشاءه وخلقه، وغلبة الواحد من هذه الأمور للآخر ودفعه له هو من تدبير الله تعالى لملكه وخلقه الواقع بعلمه وحكمته ومشيئته وقدرته والدائر بين رحمته وفضله وعدله.
فالواجب الإيمان بالقدر والعمل بالشرع قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} الآية.
وقال - صلى الله عليه وسلم: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» ، وقال - صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان» .
فلا يجوز إنكار القدر، ولا معارضته بالشرع، ولا والتواكل وترك العمل، ولا الاحتجاج بالقدر على المعاصي والكسل، ولا القول بالجبر فإن هذه كلها من ضلالات اليهود والنصارى والمشركين ومن بدع أهل الأهواء وزندقة الملحدين.