ورسله [1] ،
(1) فائدة: الركن الرابع: الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام:
وهو الإيمان الجازم والتصديق التام بأن الله تعالى قد بعث أنبياءًا ورسلًا من الناس، أرسلهم الله تعالى لدعوة الناس إلى عبادته وحده لا شريك له والنهي عن الشرك به الذي هو عبادة الطاغوت، بعثهم الله تعالى مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وأمرهم الله بالبلاغ وكلفهم بالبيان والنصيحة وجعلهم شهداء على الأمم، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتََ} ، وقال سبحانه: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} ، وقال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} ، رحمة من الله تعالى بعباده وإحسانًا إليهم.
وأول الأنبياء والرسل أدم - عليه السلام -؛ فإنه صاحب شريعة بعثه الله إلى ذريته فهو أول نبي مرسل بطريقة خاصة بأهله وذريته، وأول الرسل بعد ظهور الشرك نوح - عليه السلام -، وآخر الأنبياء والمرسلين وخاتمهم محمد - صلى الله عليه وسلم - وبينهم من الأنبياء والرسل من لا يحصيهم إلا الله تعالى.
ذكر سبحانه منهم في القرآن خمسة وعشرين نبيًا ورسولًا منهم إبراهيم وموسى وعيسى ونوح ونبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهم أولو العزم من الرسل، مذكورون في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} .
والإيمان بالرسل يتحقق بأمور:
ج ... الإيمان بهم تفصيلًا بمن سمى الله منهم وقص من نبأه - وفيما ذكر لنا من نبأهم وقصصهم ما فيه كفاية وعبرة -، وإجمالًا فيمن لم يسم ولم يقص عنه شيئًا.
ح ... واعتقاد صدقهم وتصديقهم وأنهم بلغو جميع ما أرسلوا به إلى أممهم على الوجه الذي أمرهم الله به وأنهم بينوه بيانًا واضحًا لا يسع أحد ممن أرسلوا إليه جهله ولا يحل تركه ولا مخالفته.
خ ... وأن الله تعالى أيدهم بالآيات البينات والمعجزات الواضحات الدالة على صدقهم حتى قامت بهم الحجة على الأمم ولم يكن لها عذر في تكذيبهم والإعراض عنهم وعما جاؤا به كل واجب على كل أمة واتباع نبيها الذي أرسل إليها.
د ... اعتقاد أنهم خير الأمم علمًا وعملًا وأبرها قلوبًا وأزكاها نفوسًا وأكرمها أخلاقًا وأشرفها أنسابًا وأعراقًا، وأن الله تعالى اختارهم لرسالته على علم.
ذ ... وخصهم الله بفضائل وفضّل بعضهم على بعض وبرأهم من كل خلق رذيل.
ر ... منهم معصومون من الكذب والخيانة والكتمان ومعصومون من الخطأ فيما يبلغونه من أمور الدين مطلقًا وما يرشدون إليه من أمر الدنيا جازمين ومن كبائر الذنوب وأما صغائرها فقد تقع منهم لكن لا يقرون عليها بل ينبهون بشأنها ويوقون لتوبة منها ومن الأمراض والأدواء المشوهة المنفرة للناس عنهم.
ز ... محبتهم واحترامهم وتعظيمهم ويعزرونهم ويوقرونهم ولا يغلون فيهم بل يعتقدون أنهم سادات عباد الله تعالى أكرمهم الله بالرسالة ووصفهم بالعبودية في أعلى مقاماتهم وليس لهم من خصائص الربوبية والإلهية شيء.
س ... أن دعوتهم من أولهم إلى أخرهم دعوة واحدة فكلهم دعوا إلى الإسلام وهو عبادة الله تعالى والذل له وترك مخالفته الشرك به ومخالفته كما اتفقوا على أصول الشرائع وكليات الأحكام وأمهات الأخلاق.
ش ... وهم من الإنس رجال، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ، فنؤمن بأنهم المبلغون عن الله المبينون للكتب المنزلة. وأولهم - قيل آدم، ثم نبئ شيس، ثم إدريس، ثم أرسل نوح، ثم إبراهيم، ثم عيسى، ثم محمد، وبينهم ما شاء من الرسل، قال تعالى: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} .
* الإيمان المجمل بالرسل: الإيمان ببشريتهم وأنهم مخلوقون ليس لهم من خصائص الربوبية والإلهية، والتصديق الجازم ببعثهم إلى الأمم. وأنهم كلهم هداة مهتدون على الحق المبين. وأنهم جاءوا بالحق من عند ربهم. وباتفاقهم على أصل الدين واختلافهم في الشرائع. وبأنهم بلغوا جميع ما أرسلوا به تبليغًا قامت به الحجة على الأمم. وأنهم منصورون مؤيدون من اله تعالى بالوحي وبالآيات وأن العاقبة لهم وأتباعهم. ويجب انعقاد تفاضلهم.
ص ... وأن الله تعالى ختمهم بسيدهم وإمامهم محمد - صلى الله عليه وسلم - فبعثته برسالة عامة للجن والإنس وخالدة لا تنسخ ولا تبدل فلا نبي بعده فمن ادعى النبوة أو صدقه فقد كفر ومن كذب رسلًا فقد كذب جميع المرسلين وكفر برب العالمين إلى أخر الدهر وكان من قبله يبعثون إلى قومه خاصة وبعث - صلى الله عليه وسلم - إلى الجن والإنس كافة.
ض ... اعتقاد أن الله تعالى كما فضلهم على عامة الناس فقد فضل بعضهم على بعض فاتخذ الله إبراهيم خليلًا وكلم موسى تكليمًا وخط له التوراة بيده وأتى عيسى بن مريم البينات وأيده بروح القدس، ورفع إدريس مكانًا عليا، قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} ، وقال سبحانه: {وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} ، وكذلك اتخذ الله محمدًا خليلًا وهو أكمل من إبراهيم في الخلة وعرج به إلى السماء ليلة الإسراء والمعراج فأدناه الله تعالى إلى مكان يسمع فيه صريف الأقلام بالمقادير وكلمه الله كفاحًا وخصه بفضائل لا يلحقه فيها أحد إذ لم تعطى لأحد قبله.