والرب هو: المعبود، والدليل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [1]
(1) هاتان الآيتان بينتا: أن جميع عقلاء الثقلين مكلفون بعبادة الله تعالى (فالناس) يدخل فيهم جميع الناس، الرجال والنساء، وكذلك الجن، لأن الناسي من يأنس بغيره. فكأنه قال: يا أيها الجن والإنس اعبدوا ربكم، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} . فالأمر بعبادة الله تعالى هو أول أمر في القرآن، فهو أول أمر بأعظم مأمور به وهو التوحيد من أعظم آمر وهو الله جل وعلا، وإنما كان أول أمر لان ما قبله أخبار، وأعظم مأمور، لأنه أعظم واجب على المكلفين والآمر هو الله تعالى، والمعنى: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} ، أي: أفردوه بأفعالكم - التي شرعها لكم وتعبدكم بها من الدعاء والخوف وغيرها من أنواع العبادة، ومن هذه الأفعال والأعمال التي يتعبد بها أنواع: فمنها:
أ ... عبادات قوليه: كالشهادتين وتلاوة القرآن وتعليم العلم. والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.
ب ... عبادات قلبية: كالخوف والرجاء، والرغبة، والرهبة، والإنابة، والمحبة، والتوكل، ونحوها.
ت ... عبادات بدنية: ذات أقوال وأفعال: كالحج والصلاة.
ث ... عبادة مالية: كالزكاة والذبح.
ج ... عبادات تركية: يتقرب بتركها إلى الله عز وجل تعبدًا له، بأن يترك ما حرم الله عليه مؤقتًا كالمفطرات في الصوم، أو أبدًا كسائر المحرمات التي أمر الله بتركها واجتناب وسائلها.
فكل هذه العبادات وغيرها مما تعبد الله تعالى به الناس يجب قصد الله تعالى وابتغاء وجهه بها، ولهذا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} الآية.
فالمقصود اعبدوا الله بأعمال الجوارح والقلوب والألسن، وإنفاق الأموال ابتغاء مثوبته ومرضاته، وحذرًا من غضبه وعقوباته لأنه تعالى المنفرد بالخلق والملك والتدبير والكمال والتنزه عن العيوب والنقائص والمثال، وهو ذو الغنى والجود والكرم المبتدئ والمحسن بأنواع النعم ودفع النقم، والذي إليه المرجع والمآب، وعليه الحساب والثواب والعقاب: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} ، وقال تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالحُسْنَى} .