والدليل قوله تعالى: {الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} [1] ، وكل ما سوى الله عالم وأنا واحد من ذلك العالم [2] .
(1) فأثنى الله على نفسه، بكماله في ذاته، وأسمائه وصفاته، ولعدله وفضله، وهو محمود في السماوات والأرض، ومن موجبات الحمد أن خلق هذه العوالم ورباها حتى ازدادت وتمت ثم تبدأ بالنقص، وأيضًا قول تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ .... } الآية.
(2) في هذا الكلام بيان من الشيخ - رحمه الله تعالى - للأصل الأول وهو معرفة الله تعالى وخلاصته وفحواه:
أن الرب الحق الذي يجب أن يعبد وحده بالحق هو الله جل وعلا فإنه تعالى هو الذي خلق الإنسان وغيره من الأحياء فأحسن ما خلق وهيأ كل مخلوق لما خلقه له. وربى الإنسان، فنقله أطوارًا من طور إلى طور، حتى بلغ به حد التمام، وأسبغ عليه الإنعام، وأعظم هذا الإنعام التربية الدينية - أي التهيئة ليكون عبدًا لله تعالى من عباده الصالحين ومن ذلك.
1 -... أن خلق الإنسان على الفطرة وهي الميل إلى التوحيد إذا سلم من المؤثرات الخارجية كتربية الوالدين المنحرفة أو دعوات أهل الباطل.
أن الله تعالى أخذ عليه الميثاق وهو في صلب أبيه أدم - عليه السلام - الإقرار بربوبية الله تعالى ووجوب عبادته، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} الآية.
2 -... أن الله تعالى هو الذي وهب الإنسان العقل الذي إذا سلم من الهوى - يجعله يميز بين النافع والضار من الأعمال وبين الحق والباطل من المعاني.
3 -... أنه تعالى أقام عليه الحجة وأزال المعذرة ببعثته الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإنزال القرآن وتفصيل الشريعة وإبطال الشرك.
4 -... ما أقامه سبحانه من أدلة التوحيد وآيات القدرة في الأنفس والآفاق وكلها شاهدة بأن الله وحده المتفرد بالخلق والملك والتدبير هو الرب الحق الذي يجب أن يعبد بالحق لأنه الملك الكبير الذي هو على كل شيء قدير وإليه المصير.
فربٌ هذه عنايته بالإنسان حيث غمره بالإحسان، وكذلك قد أحسن - سبحانه - إلى سائر الحيوان فهو الرب الذي يجب أن يفرد ويخص باعتقاد تفرده بالإلهية وأن يخلص له في العبادة كما انفرد واختص بالخلق والملك ولهذا قال تعالى: {الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} ، فحمد تعالى نفسه على ربوبيته لهذه العوالم الكثيرة التي منها: عالم الجن، وعالم الإنس، وعالم الملائكة، وعلام الطير، وعالم الحوت، وغيرها كثير فهذه عوالم كلها خلقها الله تعالى ورباها.
والذي هذا شأنه هو الإله الحق الذي يستحق العبادة وحده ولهذا أثنى الله على نفسه، بأنواع كمالاته في ذاته، وأسمائه وتدبيره وأفعاله، وبعدله وفضله، وهو محمود أي مثنى عليه - مع الحب والتعظيم - في السموات والأرض، ومن موجبات الحمد أن خلق هذه العوالم ورباها حتى بلغت حد التمام ثم حكم عليها سبحانه بالنقصان والضعف ثم يعيدها مرة أخرى وهكذا قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ} الآية، فالذي انفرد بخلق هذه المخلوقات والاستواء على العرش والخلق والأمر هو الرب الحق الذي يجب أن يعبد بالحق: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ} .