ملة إبراهيم: أن تعبد وحده مخلصًا له الدين، وبذلك أمر الله جميع الناس، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [1] } .
ومعنى «يعبدون» : يوحدون، وأعظم ما أمر الله به: التوحيد [2] ،
(1) فائدة: العبادة لغة: هي الذل والانقياد والتطامن والخضوع.
والعبادة شرعًا تعرف بأحد اعتبارين:
أ ... باعتبار العابد: فهي كمال الذل مع كمال الحب الذي ينشأ عنهما الخضوع والانقياد الاختياري لامتثال أوامر الله تعالى حبًا له ورغبة في ثوابه واجتناب نواهيه عز وجل هيبة وتعظيمًا له سبحانه وحذرًا من عقابه.
ب ... باعتبار المتعبد به: فهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
وإنما سميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات لأنها تؤدى لله تعالى على وجه المحبة والانقياد والذل لله تعالى رغبة في ثوابه، ورهبة من عقابه، فيخاف العبد ربه لما يعلم من عظمة شأنه، وعز سلطانه، ويحبه لما يعلم من غناه وكرمه وأفضاله وإحسانه. وبهذا يصير الإنسان عابدًا لله تعالى، أي: منقادًا له اختيارًا بامتثال أوامره رغبة في ثوابه واجتناب نواهيه رهبة من عقابه.
وتسمى العبادة توحيدًا لأنه يقصد بها الله وحده ولا يتوجه بشيء منها إلى أحد سواه كائنًا من كان.
أما العبادة الكونية فهي الخضوع القسري لأمر الله في الكون وهذه شاملة لجميع الخلق لا يخرج عنها أحد وحقيقتها: نفوذ مراد الله تعالى وأقداره فيهم وجريان أحكامه عليهم وصيرورتهم إلى ما حده لهم ووجههم كونًا إليه، قال تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} الآية.
(2) فائدة: في التوحيد:
التوحيد لغة: مصدر وحد الشيء يوحده توحيدًا أي جعل الشيء واحداَ وهذا لا يتحقق إلا بنفي وإثبات فإن النفي وحده ليس توحيدًا، والإثبات وحده لا يمنع المشاركة.
والتوحيد اصطلاحًا: هو إفراد الله تعالى فيما هو مختص به من فعله وملكه ووصفه وحقه، قال تعالى: {َإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} .
وقال تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} ، وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ} ، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} .
وإنما عرَّف الشيخ - رحمه الله تعالى - التوحيد - هنا - بأنه إفراد الله تعالى بالعبادة، لأن هذا النوع من أنواع التوحيد هو زبدة الرسالات الإلهية، وخلاصة الكتب السماوية، وحق الله على العباد، وهو الذي حدث فيه اللبس، ووقعت فيه الخصومة بين المرسلين والمكذبين، فوقعت فيه المناظرات وتوالت عليه الآيات، وتنوعت في الدلالة عليه البراهين والدلائل القاطعات، ووجب من أجله الجهاد وتميز بحسب إخلاصه، أو الشرك به صالحوا العباد، من أهل الشرك والإلحاد والمتقون من الفجار، وأهل الجنة، من أهل النار، وإنما يمهد له ويستدل عليه بذكر توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات الذين هما توحيد الله تعالى بالفعل من الخلق والملك والتدبير والوصف، أي: أنه تعالى ذو الأسماء الحسنى والصفات العلا: { (( (( (( كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (( (( } ، لإقرار المشركين بجنس هذين النوعين من التوحيد في الجملة، لتقريرهم بما أقروا به ومطالبتهم بلازمه وهو أن يقروا الله تعالى بالإنفراد في الإلهية واستحقاق العبادة ويخلصوا له الدعاء والعبادة ليتجلى لهم وجوب عبادة الله وحده وبطلان عبادة غيره.
والتوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب نوعان:
1 -... توحيد في العلم والاعتقاد:
وهو إثبات حقيقة ذات الرب تبارك وتعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن شاء من عباده وإثبات عموم قدره وقضاءه وحكمته في شرعه وأفعاله وفضله وعدله في جزائه، وكماله في أسمائه وصفاته، وتنزهه عن النقائص والعيوب ومماثلة مخلوقاته وهذا التوحيد مقر به في الجملة من عامة الأمم.
2 -... توحيد في القول والقصد أو في الطلب والإرادة:
وهو الإقرار والاعتقاد بتفرد الله وتعالى بالإلهية واستحقاق العبادة، وإخلاص العبادة له وحده والكفر والبراءة مما يعبد من دونه وممن عبد سواه.
فهذا التوحيد هو حق الله على عباده، وهو أول ما أمر الله به في القرآن في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} الآية وهو الذي وقعت فيه الخصومة بين الرسل والأمم المكذبة.