ولم تكن حياة ابن حبان بالسهلة الميسرة ؛ فإن هذا المحدث الكبير الذي درس الفقه والطب والنجوم والكلام وفنون العلم واشتغل بالوعظ: زج بنفسه في صراعات طاحنة مع الفرق والمذاهب ، حتى كالوا له من صنوف الكيد والعداء ما عرضه للقتل مرات كما عرضه للطرد وألجأه إلى الاختفاء .
تولى قضاء سمرقند مدة طويلة كما تولى قضاء نسا وتردد على نيسابور ثلاث مرات وولى قضاءها ، وفي المرة الثالثة بني فيها خنكاه .
وقرئت عليه جملة من مصنفاته ، ثم عاد إلى وطنه وكانت الرحلة إليه لسماع مصنفاته .
وكان ابن حبان على درجة كبيرة من الشجاعة في الرأي ، لا يعرف المواربة فإذا رأى رأيا وصل فيه إلى حد يثير عليه العداء ويؤلب عليه الحاقدين .
فها هو قد أخرج من سجستان مطرودا ، والأخبار يستقى منها أن العامة أثيرت عليه حتى كادت تفتك به .
قال أبو إسماعيل عبدالله بن محمد الهروي: - الذي تسميه المجسمة شيخ الإسلام على حد تعبير السبكي في طبقات الشافعية - قال: سألت يحيى بن عمار عن ابن حبان قلت: رأيته ؟ قال: وكيف لم أره ونحن أخرجناه من سجستان لأنه أنكر الحد لله ، كان له علم كثير ، ولم يكن كبير دين"."
يقول السبكي تعليقا على هذا: فيا ليت شعري من أحق بالإخراج ؟ من يجعل ربه محدودا ؟ أو ينزهه عن الجسمية ؟ .
وكان خصومه يلتمسون منه ، أي ثغرة ينفذون منها إليه .
أخذوا عليه قوله:"النبوة"
العلم والعمل"فحكموا عليه بالزندقة ، وهجره الناس ، ورفعوا أمره إلى الخليفة ، فكتب بقتله ."