فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 276

وابن خلدون يحدد هنا معالم اللقاء بين الملك الموحي والنبي وتشير هذه المعالم إلى أن إدراك النبي للملك ولقاءه معه يكون بإدراك مناسب للطافة عالم الملك، وهو إدراك خارج مستوى إدراك بشرية النبي فيستلزم انسلاخه منها ليتم اللقاء.

إلا أنه مع هذا الانسلاخ فإنه يتبقى للنبي شيء من الارتباط مع مداركه البشرية تتبيّن وتتمثل من خلال نتيجة اللقاء وثمرته وهي الوحي بأمور واقعة ضمن الإدراك البشري العادي للنبي، حيث تنزّل من ذلك الإدراك العالي المناسب للطافة الملك الروحاني إلى الإدراك البشري بصورتين «1» :

1 -إما بسماع دوي من الكلام فيتفهمه.

2 -أو يتمثل له (الملك) بصورة شخص يخاطبه بما جاء به من عند اللَّه.

وبانجلاء هذا الاستغراق وتمام عملية الوحي يجد النبي نفسه وقد وعى من هاتين الصورتين ما أريد أن يوحى إليه ويفهمه.

وحالة الانسلاخ عن البشرية الكائنة لصنف الأنبياء كما يرى ابن خلدون هي فطرة فطروا عليها ولكنها ليست حالة دائمة مستمرة مدة حياتهم وإنما تقع أثناء ورود الوحي، فلا تكون إلا في تلك اللمحة التي هي اللقاء مع الملك وهي حالة الوحي.

وهذه الحالة بجميع عناصرها من انسلاخ للنبي عن بشريته وتلقيه الوحي ورجوعه إلى مداركه البشرية لإدراك ما أريد بالوحي ووعيه لا تدوم إلا مدة هذه (اللمحة) كما عبّر عنها ابن خلدون إذ أن الأمر كله (كأنه في لحظة واحدة بل أقرب من لمح البصر لأنه ليس في زمان، بل كلها تقع جميعا فيظهر كأنها سريعة ولذلك سمّيت وحيا) «1» .

فهذه الأمور الواقعة في لمحة الوحي الخاطفة لا تمرّ في مدارك النبي على مراحل متسلسلة، بل إنها جميعا كأنها صورة واحدة بكامل ما فيها انتزعت تفاصيلها من الملك وطبعت في نفس النبي. ولا شك أن هذا الرأي لابن خلدون يقدم فهما متميزا وعاليا لعنصر السرعة في الإلقاء الذي يتّسم به الوحي والذي يتسق مع أهم

(1) المقدمة (ص 67، وص 71) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت