الأصول اللغوية للوحي في اللغة العربية، ويتمثل في صورة الوحي التي يتلقى النبي من خلالها وجه التفريق بين النبي والرسول عند ابن خلدون، فالصورة التي كونتها مدارك النبي في رجوعه من حالة الانسلاخ إلى المدارك البشرية هي التي تحدد كما يرى ذلك الفرق، فحالة الدوي والصوت المبهم الذي يعيه النبي ويتفهمه هي ما يكون للأنبياء غير المرسلين، وحالة تمثّل الملك في صورة بشرية هي رتبة الأنبياء المرسلين «1» .
وهاتان الحالتان، كما يبدو من خلال كلام ابن خلدون، ترتبطان بتبليغ الوحي من قبل النبي إلى المكلفين، إذ يرى أن إدراك النبي إنما يعود إلى مستواه البشري العادي، ويصور ما تلقاه من الوحي - وقد كان في صورة أخرى غيرهما في الحقيقة - بهاتين الصورتين والحكمة فيه بأن ذلك مرتبط بغرض رسالة النبي وهو (تبليغ العباد) ومن خلال مجمل هذه الآراء والتفصيلات لابن خلدون في الوحي نلمس حقيقة ما ذهب إليه الشيخ عبد الرزاق من عناصر الجدة والتميز في فهم ابن خلدون وفلسفته في الوحي، فقد أضفى عليه توضيحات وتحليلات لعناصره الرئيسية انفرد وتميز بها عن اتجاهات سائر الفلاسفة.
ولصدر الدين الشيرازي فهم للوحي وعناصره وتفصيل فيه نجد فيه أيضا ملامح مشتركة مع فهم فلاسفة آخرين كابن سينا، ما نجد فيه شيئا من التميز ممثلا في بعض المفاهيم والمصاديق التي أضفى عليها شيئا من خصوصيته الفكرية.
فالشيرازي يتمثل عنده سبب اطّلاع النفس على عالم الغيب في اتصالها بعالم الجواهر العقلية والنفسية وقبولها من تلك المبادئ صورا تناسبها.
وكون هذا الاتصال ممكنا للنفس في حال يقظتها يتوقف عنده على أمرين «2» :
أحدهما: قوة في النفس فطرية أو مكتسبة لا يشغلها جانب عن جانب بل تسعى قوتها بالنظر إلى جانب العلو وجانب السفل جميعا. فمثل هذه النفوس يفتر عنها أحيانا شغل الحواس وتطلّع على عالم الغيب فيظهر لها منه بعض الأمور كالبرق الخاطف، وهذا ضرب من النبوة، ويكون المتلقى فيه على نوعين بحسب قوة
(1) المقدمة (ص 71) .
(2) انظر المبدأ والمعاد (ص 348) .