فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 276

ومما يلاحظ على فلسفة ابن رشد في الوحي حضور اللغة القرآنية (المفهوم القرآني) الظاهر، والقرب من التفسير الإسلامي العام للوحي استعانة بمدلول الآية من سورة الشورى وهذا ما يتسق مع حاولته التوفيق بين الفلسفة والدين وقد طغت على فلسفته عموما.

ونجد عند ابن خلدون ملامح فهم متميز للوحي يفترق في بعض جوانبه عن اتجاهات أقطاب الفلسفة الإسلامية الآخرين، ويصف الشيخ مصطفى عبد الرزاق مذهب ابن خلدون هذا في الوحي بأن فيه من الطرافة والجدة ما يجعله مذهبا جديدا استفاد منه جمعه بين الاتجاه الفلسفي والصوفي وتأثره بالمذهبين «1» .

يتخذ ابن خلدون النبوة مدخلا إلى فهم الوحي، ذلك أنه تعالى خصّ الأنبياء عليهم السلام (أن اصطفاهم تعالى وفضّلهم بخطابه وفطرهم على معرفته وجعلهم وسائل بينه وبين عباده ... ) «2» .

فاصطفاؤهم من بين سائر البشر إنما هو تمهيد لاختصاصهم بأمور لا سبيل إلى معرفتها إلا بوساطتهم، ولا يعلمونها إلا بتعليم اللَّه لهم، فيكون من ضمن ما يلقى إليهم المعارف وما يظهر على ألسنتهم من الخوارق والأخبار: الكائنات المغيبة ويقصد بها الملائكة.

وطريق الوحي بين هؤلاء الملائكة والنبي يستفيده من خلال ما يرافق الوحي من علائم تشبه الإغماء والغشي، وهذه الحالة يفسرها ابن خلدون - كما مر سابقا - بالاستغراق في لقاء الملك الروحاني.

والقوة التي تهيّئ للنبي مثل هذا اللقاء بالملك هي إدراكه المناسب لهذا الملك، وهو الإدراك (الخارج عن مدارك البشر بالكلية، فإذا فرغ من ذلك [الإلقاء] تنزّل مرة أخرى إلى المدارك البشرية) «2» .

وهذا الانسلاخ عن البشرية والذي تخف آثاره ويخرج من النبي مع تكرار حالات الوحي يبلغ به النبي أعلى المراتب الروحانية، ذلك أن الملكية المحضة التي ينسلخ إليها هي أعلى الروحانيات «2» .

(1) الدين والوحي والإسلام (ص 77) .

(2) المقدمة (ص 67 وص 73) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت