وهذه أكمل المراتب التي يبلغها الإنسان بقوته المتخيلة فهي حالة تختص بالأنبياء وحدهم، والحالة الأخرى هي التي تكون في المنام وهي التي تكون فيها المتخيلة ضعيفة فيكون الاتصال عن طريق المنام بالرؤيا «1» . وما يستشف هنا أن المصدر الذي تستقي عنه النفس البشرية هو العقل الفعال.
وإذا تحولنا إلى ابن سينا نجد طريقة الوحي ونوع الاتصال عنده معتمد على مدى قوة المتخيلة أيضا، ويمكن استشفاف تصور كيفية الوحي عند ابن سينا من خلال الربط والصلة بين عدة نقاط تستفاد من تفصيلاته وبحثه فيه ويمكن إجمالها فيما يلي:
1 -إن النفس إذا صفت صفاء شديدا كان لها (الاتصال بالعقل الفعال حتى يفيض عليها العلوم ... فهذه النفوس الشريفة يحصل لبعضها قوة الروح القدسية) «2» التي تتيح هذا الاتصال فتستغني غالبا عن التفكر والتعلّم وتتلقى عن العقل الفعال.
2 -إن النفس تعقل بذاتها وليس بآلاتها، ولأنها استفادت ملكة الاتصال بالعقل الفعال لم يضرها فقدان الآلات «3» .
وهذه القوة التي تدرك بها المدركات وتعقل بها دون آلات لا تتعرض إلى الكلال - كما لو أن التعقل كان بالآلات - وإنما هي (إما ثابتة وإما في طريق النمو والازدياد) «3» .
3 -إن بعض النفوس يقوى بقوة بحيث لا تشغله الحواس ولا يتبع بالقوة للنظر إلى عالم العقل والحس جميعا فينفرد للنظر إلى عالم العقل وحده وينشغل عن الحس (فيطّلع إلى عالم الغيب فيظهر له بعض الأمور كالبرق الخاطف) ويبقى المتصور المدرك في الحافظة بعينه. ومن هذه الحال يكون الغيب المتلقى على مرتبتين «3» :
فإذا بقي المتصور المدرك في الحافظة بعينه (دون تغيير أو تصرف فيه) كان وحيا صريحا، وإذا وقع في المتخيلة واشتغلت بطبيعة المحاكاة فحاكته بالصور المحسوسة التي لديها كان مفتقرا إلى التأويل.
(1) انظر أبو ريان: أصول الفلسفة الإشراقية (ص 304) .
(2) انظر الشهرستاني: الملل والنحل (3/ 212) .
(3) ابن سينا: الإشارات والتنبيهات القسم (3 و4) الإلهيات والتصوف (ص 674) شرح نصير الدين الطوسي (ت 672 ه/ 1273 م) تحقيق: د. سليمان دنيا - دار المعارف - مصر (1958 م) .