وخلاصة القول الذي يميل إليه الباحث في هذا الموضوع أن لا دليل في القرآن الكريم ولا فيما روي عن الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم على نبوة النساء عموما دون تخصيص.
بل إن في القرآن الكريم ما يدل - إذا أخذ على ظاهره - على أنّه تعالى لم يرسل إلا رجالا بدليل قوله تعالى: ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى [يوسف: 109] ولا يضعف هذا الاستدلال ما قيل أن الآية في مقام الاحتجاج على أن من أرسل من قبل محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم كانوا رجالا وإنها جاءت ردا على من طعن بأنه كيف يكون النبي بشرا وأن الآية نزلت ردا على هذه الشبهة.
كما لا يضعف ذلك الاستدلال ما قيل أن الآية لم تمنع النبوة في النساء وإنما منعت الرسالة لأن منطوق الآية حصر في الرجال الرسالة وليس النبوة.
ويرد عليه: إن الرسالة شملت هنا معنى النبوة والرسالة عموما وهو ما عليه القرآن الكريم في مواضع عديدة كقوله تعالى: وما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ الطَّعامَ .. [الفرقان: 20] ، ووَ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وذُرِّيَّةً [الرعد: 38] . وواضح أن الرسل في الآيتين أريد بهم عموم الأنبياء والرسل عليهم السلام.
وأما ما كان من وحي إلى أم موسى فالأقرب إلى الصواب فيه عند الباحث أنه كان على سبيل الإلهام والقذف في نفسها ولا دلالة في التعبير عنه بالوحي على النبوة لأنه لم يرد في ظاهر الكتاب ما يحصر مصطلح الوحي - لفظيا - على ما كان للأنبياء فقط وإنما العكس هو الصحيح إذ ورد ذكر الوحي ملقى إلى غير الأنبياء بل غير البشر كالحيوانات والجمادات فلو كان كل تعبير ب (الوحي) يدل على النبوة لكانت للنحل والجمادات نبوة ..
وأما الاستدلال برواية اكتمال مريم وآسية .. إلخ من النساء فإن اعتبار ذلك نبوة يجعل صفة النبوة مضافة إلى كل من جاء ذكرها في هذا الحديث على اختلاف رواياته العديدة كخديجة عليها السلام وفاطمة عليها السلام وعائشة رضي اللَّه عنها وهو أمر لم يقل به أحد. إلا أن ما يجب بيانه بوضوح هنا تأكيد النعمة الإلهية التي خصت أولئك النسوة بهذه الميزة الجليلة في كونهن متلقيات للوحي أو مخاطبات للملائكة وهو أمر لا يمكن تهوينه، وأبلغه أن إثبات معاينة مريم عليها السلام