فهرس الكتاب

الصفحة 299 من 351

خصيصة الرفق في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى مع اعدائه وتلطفه بهم وعدم معاتبتهم حين اساءوا اليه بسلامهم بقولهم السام عليك ويقصدون الموت، وهكذا كان قلب الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهكذا كانت حياته مع الناس، (ما غضب لنفسه قط ولا ضاق صدره بضعفهم البشري، ولا احتجز لنفسه شيئًا من أعراض هذه الحياة، بل أعطاهم كل ما ملكت يداه في سماحة ندية ورفق عظيم، ووسعهم حمله وبره وعطفه ووده الكريم، وما من واحد منهم عاشره أو رآه إلاّ امتلأ قلبه بحبه، نتيجة لما أفاض عليه - صلى الله عليه وسلم - من نفسه الكبيرة والرحيبة) [1] ، والنفس السمحة ليس فيها ضيق أو السماحة السهولة واللين [2] والناس مشاربهم شتى، وسلوكياتهم متباينة، واحتياجاتهم كثيرة، واستفزازاتهم مثيرة، وهذا لا بد أن يقابله الداعية بالاحتمال، لأن الاحتمال - كما قيل - قبر المعايب، قال الغزالي في الإحياء: أعلم أن الرفق محمود و يضاده العنف والحدة. والعنف نتيجة الغضب والفظاظة، والرفق واللين نتيجة حسن الأخلاص والسلامة، وقد يكون سبب الحدة والغضب وقد يكون سببها شدة الحرص واستيلاؤه بحيث يدهش عن التفكر ويمنع من التثبت فالفرق في الأمور ثمرة لا يثمرها إلى حسن الخلق، ولا يحسن الخلق إلا بضبط قوة الغضب وقوة الشهوة وحفظهما على حد الاعتدال. ولأجل هذا أثنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الرفق وبالغ فيه. قال سفيان الثوري لأصحابه: (تدرون ما الرفق؟) . قالوا: قال يا أبا محمد، قال: أن تضع الأمور في مواضعها: الشدة في موضعها واللين في موضعه والسيف في موضعه والسوط في موضعه وهذه إشارة إلى أنه لا بد من مزج الغلظة باللين والفظاظة بالرفق، كما قيل:

ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى.

(1) في ظلال القرآن 1/ 500 - 501.

(2) انظر القاموس المحيط 1/ 229.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت