شيء آخر لا بد أن يكون واضحًا وهو أنه عند توضيحنا لمنهج الصوفية فهذا لا يعني أن كل فرد من أفرادهم قد حكمنا عليه بفساد المعتقد وسوء المنقلب , فكثيرًا ما يلتبس الحق بالباطل ويجتمع في الرجل الواحد الخير والشر والسنة والبدعة ومن العدل أن نذكر هذا وهذا لأن بعض الناس يظنون أن الصوفية هي الطريق الصحيح لما نشأوا عليه من صغرهم أو ما شاهدوه من آبائهم ومشايخهم , ولكن لا بد من تبصيرهم بدينهم الحق وإبعادهم عن البدع التي يحسبونها صغيرة وهي عند الله كبيرة .
إن ابن تيمية - الذي يعتبرونه العدو الأكبر لهم - عند مفاضلته بين الصوفية والمتكلمين يفضل الجانب العبادي العملي عند المتصوفة بالمقارنة مع الجدل النظري عند المتكلمين , والظاهر أنه لاحظ ما عليه أوائل الصوفية من استقامة على المنهج الصحيح في موضوع الأسماء والصفات مع كثرة عبادتهم , ولكنه لم يلاحظ أنهم هم أنفسهم يخلطون في أمور التوحيد والعلم والعمل و فالكلاباذي الذي يوصف بأنه معتدل يعرف التوحيد"أن لا يشهدك الحق إياك" (1) وهو تعريف يحتمل الحق والباطل , ونجد القشيري يتكلم عن عصمة الأولياء , وأخطاء السلمي في التفسير عجيبة , وقصص الغزالي في الإحياء أعجب , حتى القدامى منهم كالجنيد والشبلي والمحاسبي لهم أخطاء واضحة , وهؤلاء يوصفون بالاعتدال .
وابن تيمية كثيرًا ما يقرن بينهم وبين المتكلمين فيقول: هؤلاء انحرفوا في كذا , وهؤلاء انحرفوا في كذا , والمقصود طبعًا غلاة المتكلمين كالرازي والآمدي , و إلا فهل يقارن بين أبي بكر الباقلاني وأمثاله من متكلمي الأشاعرة وبين خزعبلات الصوفية , وأين علم أبي بكر ودفاعه عن الإسلام وفقهه من شطحات وغموض الصوفية ؟ ولذلك كان عالم آخر كابن عقيل صريحًا أكثر في رأيه عندما يقول:"والمتكلمون عندي خير من الصوفية لأن المتكلمين قد يزيلون الشك والصوفية يوهمون التشبيه , ومن قال حدثني قلبي عن ربي صرح بأنه غني عن الرسول صلى الله عليه وسلم (2) ."
(1) التعرف /135 .
(2) تلبيس إبليس / 375 .