إن الأصل في الصدقة المال، قال (: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} (1) ، قال ابن الأثير (:(( المال في الأصل ما يملك من الذهب والفضّة، ثم أطلق على كل ما يُقتنى ويُملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم ) ) (2) .
وبيان الرسول ( الصدقة بالتمر، أو الشعير، أو الأقط، أو الزبيب؛ إنما هو للتيسير ورفع الحرج، لا لتقييد الواجب وحصر المقصود فيه؛ لأن أهل البادية وأرباب المواشي تعزّ فيهم النقود، وهم أكثر مَن تجب عليه الزكاة، فكان الإخراج ممَّا عندهم أيسر عليهم؛ فلذلك فرض على أهل المواشي أن يتصدّقوا من ماشيتهم، وعلى أهل الحب أن يتصدّقوا من حبّهم، وعلى أهل الثمار من ثمارهم، وعلى أهل النقد من نقدهم، تيسيرًا على الجميع؛ ولئلا يُكَلَّفَ أحدٌ استحضارَ ما ليس عنده مع اتحاد المقصد في الجميع وهو مواساة الفقراء.
إن رسول الله ( أخذ القيمة في صدقة الزكاة، من ذلك أنه قال لمعاذ ( عند بعثه إلى اليمن:(خذ الحب من الحب والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر) (3) ، ومع هذا التعيين الصريح منه (، إلا أن معاذًا ( قال لأهل اليمن:(( ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير ) ) (4) ، لعلمه ( أن المرادَ سد حاجة الفقراء لا خصوص هذه الأعيان، ولذلك قال (:(( فإنّه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة ) ) (5) ، وأقره النبي ( على ذلك، ولو كان خلاف الشرع المفترض لما أقرّه، ولأمره برد ذلك إلى أهله ونهاه عنه.
(1) التوبة103.
(2) ينظر: لسان العرب 6: 4300، وغيره.
(3) في المستدرك 1: 546، وصححه، وسنن أبي داود 2: 109، وسنن ابن ماجة 1: 508.
(4) في صحيح البخاري 2: 525، وغيره.
(5) في سنن الدارقطني 2: 100، وغيره.