لا سيما والنهي هنا كان مؤكدًا، ولهذا لما عجنوا دقيقهم بماء آل ثمود أمرهم أن يعلفوه النواضح ولا يطعموه، فأي تحريم أبين من هذا؟ فهم قوم مجاهدون في سبيل الله، في غزوة العسرة التي غلب عليهم فيها الحاجة، وهي غزوة تبوك التي لم يكن يحصي عددهم فيها ديوان حافظ، وخرجوا في شدة من العيش وقلة من المال، ومع هذا يأمرهم أن لا يأكلوا عجينهم الذي هو أعز أطعمتهم عندهم، فلو كان إلى الإباحة سبيل لكان أولئك القوم أحق الناس بالإباحة، فعُلِمَ أن النهي عن الدخول والاستقاء كان نهي تحريم» [1] .
وقال ابن القيم رحمه الله: «من مر بديار المغضوب عليهم والمعذبين لم ينبغ له أن يدخلها ولا يقيم بها، بل يسرع السير ويتقنع بثوبه حتى يجاوزها، ولا يدخل عليهم إلا باكيا معتبرا» [2] .
وقال ابن رجب رحمه الله: «هذا الحديث نص في المنع من الدخول على مواضع العذاب إلا على أكمل حالات الخشوع والاعتبار، وهو البكاء من خشية الله، وخوف عقابه الذي نزل بمن كان في تلك البقعة، وأن الدخول على غير هذا الوجه يخشى منه إصابة العذاب الذي أصابهم، وهذا يدل على أنه لا يجوز السكنى بمثل هذه الأرض ولا الإقامة بها، وقد صرح بذلك طائفة من العلماء منهم: الخطابي، وغيره» [3] .
(1) شرح العمدة - كتاب الصلاة - ص (507 - 510) ، وينظر: مجموع الفتاوى (15/ 324) ، اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 233 - 238) ، تفسير القرطبي (10/ 45) .
(2) زاد المعاد (3/ 560) ، وينظر: (2/ 255) ، الجواب الكافي ص (94) .
(3) فتح الباري (3/ 237) ، وينظر: أعلام الحديث (1/ 394) .