الصفحة 4 من 12

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فتحنثه وتعبده بغار حراء كان قبل المبعث، ثم لما أكرمه الله بنبوته ورسالته، وفرض على الخلق الإيمان به، وطاعته، واتباعه أقام بمكة بضع عشرة سنة هو ومن آمن به من المهاجرين الأولين الذين هم أفضل الخلق، ولم يذهب هو ولا أحد من أصحابه إلى حراء، ثم هاجر إلى المدينة، واعتمر أربع عمر، وحج معه جماهير المسلمين، لم يتخلف عن الحج معه إلا من شاء الله، وهو في ذلك كله لا هو ولا أحد من أصحابه يأتي غار حراء ولا يزوره، ولا شيئًا من البقاع التي حول مكة، وكذلك الغار المذكور في القرآن في قوله تعالى: (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ ( [التوبة: 40] ، وهو غار بجبل ثور بمكة، ولم يشرع لأمته السفر إليه، وزيارته، والصلاة فيه والدعاء، ولا بنى رسول الله (بمكة مسجدًا غير المسجد الحرام، بل تلك المساجد كلها محدثة، مسجد المولد وغيره، ولا شرع لأمته زيارة موضع المولد، ولا زيارة موضع بيعة العقبة الذي خلف منى، وقد بُنِىَ هناك له مسجد، ومعلوم أنه لو كان هذا مشروعًا مستحبًا يثيب الله عليه لكان النبي (أعلم الناس بذلك، وأسرعهم إليه، ولكان علَّم أصحابه ذلك، وكان أصحابه أعلمَ بذلك وأرغبَ فيه ممن بعدهم، فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك عُلِمَ أنه من البدع المحدثة، التي لم يكونوا يعدونها عبادة وقربة وطاعة، فمن جعلها عبادة وقربة وطاعة فقد اتبع غير سبيلهم، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله، وإذا كان حكم مقام نبينا (في مثل غار حراء الذي ابتدئ فيه بالإنباء والإرسال، وأنزل عليه فيه القرآن، مع أنه كان قبل الإسلام يتعبد فيه، وفي مثل الغار المذكور في القرآن، الذي أنزل الله فيه سكينته على رسوله (، فمن المعلوم أنَّ مقامات غيره من الأنبياء أبعد أنْ يشرع قصدها، والسفر إليها؛ لصلاة أو دعاء أو نحو ذلك، إذا كانت صحيحة ثابتة، فكيف إذا عُلِمَ أنها كذب، أو لم يعلم صحتها» [1] .

(1) الاقتضاء (2/ 806 - 807) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت