[ج 1: ص 63] الحضرمي، فقال: هذا حليفك عتبة يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، والله ما ذلك بعتبة، ولكنه قد عرف أن ابنه فيهم، وأن محمدا وأصحابه إنما هم أكلة جزور، وقد رأيتم ثأركم فقم، فانثل مقتل أخيك، فقام عامر بْن الحضرمي، ثم صرخ: واعمراه واعمراه! فحميت الحرب، وحمي الناس واستوثقوا، فأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة، فلما بلغ عتبة قول أبي جهل، قال: سيعلم المصفر استه من انتفخ سحره، ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها رأسه، فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته، فلما رأى ذلك اعتم على رأسه بعمامة له، وخرج الأسود بْن عَبْد الأسد المخزومي، وكان رجلا شرسا، فقال أعاهد اللَّه لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه، فلما خرج يريد الحوض خرج إليه حمزة بْن عَبْد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدميه بنصف ساقه، وهو دون الحوض فحبا إلى الحوض، فاقتحم فيه واتبعه حمزة بضربة أخرى فقتله في الحوض، ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بْن ربيعة، وابنه الوليد بْن عتبة، فلما دنا إلى الصف دعا إلى البراز فخرج إليه فتية ثلاثة من الأنصار عوف، ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء، وابن رواحة، فسألهم فقالوا: رهط من الأنصار، فقال عتبة: أكفاء كرام، ما لنا بكم حاجة، إنما نريد قومنا، ثم نادى مناديهم يا مُحَمَّد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"قم يا حمزة بْن عَبْد المطلب، قم يا علي بْن أبي طالب، قم يا عبيدة بْن الحارث، وكان أسن القوم فبارز عتبة بْن ربيعة، وبارز حمزة شيبة بْن ربيعة، وبارز علي بْن أبي طالب الوليد بْن عتبة؛ فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله، ولم يمهل علي الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتان، كلاهما أثبت صاحبه، وكر حمزة، وعلي على عتبة، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه، ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض، وقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لأصحابه:"أن لا تحملوا حتى آمركم"، وهو في العرش مع أبي بكر ليس في العريش معه غيره، وهو يناشد اللَّه ما وعده من النصر، ويقول فيما يقول:"اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد"، وأبو بكر يقول: يا رسول اللَّه! أقصر من مناشدتك اللَّه فإن اللَّه موفيك بما وعدك، وشجع اللَّه المسلمين على لقاء عدوهم، وقللهم في أعينهم حتى طمعوا فيهم، وخفق رسول اللَّه خفقة وهو في العريش، ثم انتبه، ثم قال: أبشر يا أبا بكر! هذا جبريل متعجر بعمامة، يقول: أتاك نصر اللَّه وعونه فبعث اللَّه الملائكة مسومين، فكان أبو أسيد مالك بْن ربيعة شهد بدرا قال بعد أن ذهب بصره، لو كنت معكم ببدر الآن ومعي بصرى لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أمتري، ولم تقاتل الملائكة في غزاة إلا ببدر، وإنما كانت تنصر وتعين، وكانت عليهم عمائم بيض قد أرسلوها في ظهورهم."