[ج 1: ص 35] عَدُوِّكُمْ؟ قَالَ مَفْرُوقٌ: إِنَّا لأَشَدُّ مَا نَكُونُ غَضَبًا حِينَ نَلْقَى، وَإِنَّا لأَشَدُّ مَا نَكُونُ لِقَاءً حِينَ نَغْضَبُ، وَإِنَّا لَنُؤْثِرُ الْجِيَادَ عَلَى الأَوْلادِ، وَالسِّلاحَ عَلَى اللِّقَاحِ، وَالنَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، يُدِيلُنَا مَرَّةً وَيُدِيلُ عَلَيْنَا أُخْرَى، لَعَلَّكَ أَخُو قُرَيْشٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدْ بَلَغَكُمْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَهَا هُوَ ذَا، قَالَ مَفْرُوقٌ: قَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ يَذْكُرُ ذَلِكَ، قَالَ: فَإِلامَ تَدْعُو يَا أَخَا قُرَيْشٍ، قَالَ:"أَدْعُوكُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْ تُئْوُنِي وَتَنْصُرُونِي، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ تَظَاهَرَتْ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ فَكَذَّبَتْ رُسُلَهُ، وَاسْتَغْنَتْ بِالْبَاطِلِ عَنِ الْحَقِّ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ". فَقَالَ مَفْرُوقُ بْنُ عَمْرٍو: إِلامَ تَدْعُونَا يَا أَخَا قُرَيْشٍ؟ فَتَلا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} الآيَةَ، قَالَ مَفْرُوقٌ: وَإِلامَ تَدْعُو يَا أَخَا قُرَيْشٍ؟ فَتَلا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} الآيَةَ، فَقَالَ مَفْرُوقٌ: دَعَوْتَ وَاللَّهِ يَا أَخَا قُرَيْشٍ إِلَى مَكَارِمِ الأَخْلاقِ وَمَحَاسِنِ الأَعْمَالِ، وَكَأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يُشْرِكَهُ فِي الْكَلامِ هَانِئَ بْنَ قَبِيصَةَ، فَقَالَ: وَهَذَا هَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ شَيْخُنَا وَصَاحِبُ دِينِنَا، فَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكَ يَا أَخَا قُرَيْشٍ، وَإِنِّي أَرَى إِنْ تَرَكْنَا دِينَنَا وَاتَّبَعْنَاكَ عَلَى دِينِكَ لِمَجْلِسٍ جَلَسْتَهُ إِلَيْنَا زَلَّةً فِي الرَّأْيِ، وَقِلَّةَ فِكْرٍ فِي الْعَوَاقِبِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الزَّلَّةُ مَعَ الْعَجَلَةِ، وَمِنْ وَرَائِنَا قَوْمٌ نَكْرَهُ أَنْ نَعْقِدَ عَلَيْهِمْ عَقْدًا، وَلَكِنْ تَرْجِعُ وَنَرْجِعُ وَتَنْظُرُ وَنَنْظُرُ، وَكَأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يُشْرِكَهُ فِي الْكَلامِ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ، فَقَالَ: وَهَذَا الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ شَيْخُنَا وَصَاحِبُ حَرْبِنَا. فَقَالَ الْمُثَنَّى: قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكَ يَا أَخَا قُرَيْشٍ، وَالْجَوَابُ هُوَ جَوَابُ هَانِئِ بْنِ قَبِيصَةَ فِي تَرْكِنَا دِينَنَا، وَاتِّبَاعِنَا إِيَّاكَ عَلَى دِينِكَ، وَإِنَّمَا نَزَلْنَا بَيْنَ ضُرَّتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَا هَاتَانِ الضُّرَّتَانِ؟"، قَالَ: أَنْهَارُ كِسْرَى وَمِيَاهُ الْعَرَبِ، وَإِنَّمَا نَزَلْنَا عَلَى عَهْدٍ أَخَذَهُ عَلَيْنَا كِسْرَى لا نُحْدِثُ حَدَثًا وَلا نُئْوِي مُحْدِثًا، وَإِنِّي أَرَى هَذَا الأَمْرَ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ مِمَّا تَكْرَهُهُ الْمُلُوكُ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ نُئْوِيَكَ وَنَنْصُرَكَ مِمَّا يَلِي مِيَاهَ الْعَرَبِ فَعَلْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَا أَسَأْتُمْ فِي الرَّدِّ إِذْ أَفْصَحْتُمْ بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ دِينَ اللَّهِ لَنْ يَنْصُرَهُ إِلا مَنْ أَحَاطَهُ اللَّهُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ، أَرَأَيْتُمْ إِنْ لَمْ تَلْبَثُوا إِلا قَلِيلًا حَتَّى يُوَرِّثَكُمُ اللَّهُ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَيُفْرِشَكُمْ نِسَاءَهُمْ، أَتُسَبِّحُونَ اللَّهَ وَتُقَدِّسُونَهُ؟"، فَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ شَرِيكٍ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: فَتَلا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا 45} وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا {46} ، ثُمَّ نَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَابِضًا عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ يَقُولُ:"يَا أَبَا بَكْرٍ، أَيَّةُ أَخْلاقٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا أَشْرَفَهَا، بِهَا يَدْفَعُ اللَّهُ بَأْسَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ"قَالَ أبو حاتم: إن اللَّه جل وعلا أمر رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب يدعوهم إلى اللَّه وحده، لا يشركوا به شيئًا، وينصروه ويصدقوه، فكان يمر على